الأهبة لاستقبال شهر الأوبة

عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ

 الرياض

 26/8/1423

 جامع الإمام تركي بن عبد الله

 ملخص الخطبة

 1- صوم رمضان من أركان الإسلام. 2- تفسير آيات الصيام التي في سورة البقرة. 3- فضائل شهر رمضان وخصائصه. 4- استقبال رمضان. 5- شروط وجوب الصوم. 6- صيام أصحاب الأعذار. 7- ثبوت دخول شهر رمضان.

الخطبة الأولى

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأِشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.

          أما بعد:

 فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.

عبادَ الله، يقول ربنا جل جلاله وهو أصدق القائلين، يقول في كتابه العزيز مخاطبًا عبادَه المؤمنين المصدِّقين السامعين المطيعين المستجيبين لله ولرسوله، يقول لهم جل وعلا مخاطبًا لهم بأسمى صفاتهم وأكملها وأعلاها ألا وهو الإيمان: (يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَّعْدُودٰتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ*شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِى أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ هُدًى لّلنَّاسِ وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [البقرة:183-185].

أيها المسلمون، صيامُ شهر رمضان أحدُ أركان الإسلام الخمسة التي بُني عليها الإسلام، فقد بُني الإسلام على خمسة أركان: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحجِّ بيت الله الحرام، وبذا أخبرنا نبينا محمد [1].

فهو أحدُ أركان الإسلام، لا يكمل إسلامُ عبدٍ ولا يستقيم إسلامُه إلا بصيام شهر رمضان إن كان ممن يجب عليه الصيام.

(يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ) فُرض عليكم الصيام، أعني صيامَ رمضان، الذي هو الركن الرابع من أركان الإسلام، كُتب عليكم، وفُرض عليكم، وأُوجب عليكم، ولستم بدْعًا من الناس، فالصومُ عبادة تُعُّبدتم بها كما تعُبّد بها من قبلكم من الأمم، (كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ)، حكمةُ هذا الصيام، حكمة فرض صيام هذا الشهر: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، هذه هي الحكمة والغاية من فرض الصيام، بل هي الغاية من كلِّ العبادات، لكن مظاهرها في الصوم أقوى، وإلا فكل عبادة إنما شُرعت لك لتتقي الله بأدائها، وتتقرَّب إلى الله بذلك، لكن ظاهرة التقوى في الصيام أقوى [منها في] كل العبادات.

(لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، فلعل أن يحصل لكم بالصيام تقوى الله، ولعلَّ التقوى أن يتحقّق لكم بصيامكم لرمضان، بأي شيء يكون ذلك؟ إن حقيقةَ الصيام امتناعُ المسلم في نهار رمضان عن الطعام عن الماء عن مواقعة النساء، وغير ذلك من مفسدات الصيام، يمتنع عنها طاعةً لله، يمتنع عنها قربةً يتقرب بها إلى الله، من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، ففي ذلك كفٌّ لنفسه، لشهوات نفسه لأجل الله وفي سبيل الله، (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ) [الرحمن:46]. الصائم في كفّه عن هذه المشتهيات يكفُّ عنها مع قدرته عليها، ومع تمكنه منها، ومع كونه خاليًا في مكان لا يعلمه إلا الله، لكن هذا الأمر تركه طاعةً لله، علم أن ربَّه يرضى منه ذلك، فوافق رضا الله، وعلم أن ربَّه يطَّلع عليه ويعلم سرَّه وعلانيته، فقوي في قلبه اليقين بمراقبة الله وإطلاع الله عليه في كلّ أحواله، فصار ممن قال الله فيهم: (ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ) [البقرة:3]، وكما قال الله: (إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) [الملك:12].

إن الصومَ يحقِّق للمسلم التقوى، فهو إذا شعر بألم الظمأ والجوع مع قدرته على ذلك عرف عظيمَ نعم الله عليه، فازدادَ لله شكرًا وثناءً وتمجيدًا وتعظيمًا،، فلله الفضل والمنة، وعرف عظيمَ النعم، وتذكر قوله تعالى: (وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ) [النحل:53]، وتذكر (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا) [إبراهيم:34]. إنه يعرِّفهُ بعد ذا حاجةَ المحتاجين وعوزَ المعوزين، فتطيب النفس بالإنفاق في الخير، فيتقرّب إلى الله بالنفقات والصدقات، فيقوى التقوى في قلبه.

أيها المسلم، (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، في الصوم تهذيبٌ للنفس، وتزكية لها، وتطهير لها من الأخلاق والأخلاط والرديئة. في الصوم ترويضٌ للنفس وإعدادها للمستقبل، فما بين رمضان إلى رمضان مكفراتٌ لما بينهن ما اجتنبت الكبائر، فرمضان يأتي فيهذِّب النفوس، ويزكيها ويطهرها وينقيها، ويعدّها للخير، ويهيئها لسبيل الرشاد، ويمضي رمضان والمسلم في ذكرياته رمضان، وفي قلبه حبٌّ لرمضان، وما يزال كذلك يرتقب رمضانَ آخر، فهو من عبادة إلى ترقُّب عبادة، ومن طاعة إلى حبِّ طاعة أخرى.

(لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، وما أعظم هذه الكلمة، أنه يحصل بالصيام التقوى، فتكثر الحسنات، وتعظم الأجور.

(أَيَّامًا مَّعْدُودٰتٍ)، فالصوم ليس كلَّ السنة، ولا نصفَها ولا ثلثها ولا ربعها ولا سدسها، ولكنه شهر واحدٌ من اثني عشر شهرًا، تسع وعشرون يومًا أو ثلاثون يوما، أيامًا معدودة، يبتدئ أوَّله وما هو [إلا] قليل حتى يمضي كلّه، فهي أيام معدودة، فحري بالمسلم اغتنامُها، حريّ بالمسلم أن يعرفَ لهذه الأيام قدرَها ومكانتها، إذ هذا الشهر أفضلُ شهور العام لما أودع الله فيه من الخصائص والفضائل، وخصَّ هذه الأمة بمزيدِ خير وفضل، فله الفضل والمنة.

أيها المسلم، وإن ربنا جل وعلا جعل شريعةَ الإسلام شريعةَ اليسر، رفعَ عنها الأغلال والآصارَ التي كانت على من قبلنا، يقول تعالى: (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلأغْلَـٰلَ ٱلَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِم)ْ [الأعراف:157]، ويقول: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ٱلدّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج:78].

(فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [البقرة:184]، فأباح الله للمريض إذا كان هذا المرض يُتعبه أثناءَ الصيام، وكان لا يستطيع الصيام مع وجود هذا المرض، فيفطر ويقضي أيامًا أخر، وكذلك المسافر يفطر في سفره ويقضي أيامًا أُخر، والله يحبّ أن تؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته.

وكانوا في أوَّل الإسلام مخيَّرين بين أن يصوموا وبين أن يُطعموا، ولكن ربنا رحمنا، فافترض علينا الصيام، (وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) إلى أن قال: (وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ، ثم قال: فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ).

أيها المسلم، إن لهذا الشهر العظيم فضائلَ عديدة ومزايا وخصائص، فاغتنم ذلك أيها المسلم، فأولاً أن تستبشر بمقدم رمضان، وأن تفرح بمقدم رمضان، وأن ترى نعمةً عظيمة من الله أن مدّ في أجلك، وأنسأ في عمرك، حتى أدركتَ هذا الشهرَ المبارك، فكم من متمنٍّ له ما أدركه، وكم من متطلِّعٍ له حيل بينه وبينه، فإن أدركتَ رمضان فقل: "الحمد لله الذي بلّغني رمضان، وجعلني ممن يصومه وينافس في الأعمال الصالحة"، فلقد كان سلفُكم الصالح يستبشرون بهذا الشهر ويفرحون به، كانوا يقولون: "اللهم سلِّمني لرمضان، اللهم سلِّم لي رمضان، اللهم تسلَّم مني رمضان متقبَّلاً"، كانوا يسألون الله أن يبلّغهم صيامَه، فإذَا صاموه أكثَروا من السؤال والإلحاح أن يتقبَّل الله منهم صيامَهم.

أيها المسلم، من فضائل هذا الشهر أنَّ صيامَه مع النية والاحتساب يكفِّر ما مضى من الذنوب، "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه" [2]، وإن قيامَه أيضًا ليمحو ما مضى من الذنوب، كان النبي يرغِّب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم بعزيمة، ثم يقول: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه" [3].

أيها المسلم، إن نبيَّنا أخبرَ عن خصائص هذا الشهر فقال: "أُعطيت أمتي في رمضان خمسَ خصال، لم تعطها أمة قبلهم: خلوفُ فم الصائم أطيبُ عند الله من ريح المسك، وتستغفرُ لهم الملائكة حتى يفطروا، ويزيِّن الله جنَّته كلَّ يوم فيقول: يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤونة والأذى ويصيروا إليك، وتصفَّد فيه مردة الشياطين، فلا يخلصون فيه إلى ما كانوا يخلصون في غيره، ويُغفر لهم في آخر ليلة"  قيل: أليلة القدر؟ قال: "لا، ولكن العامل إنما يوفَّى أجرَه إذا قضى عمله" [4].

أيها الإخوة، كان نبينا يبشر أصحابه بمقدم رمضان، ويهنئهم بذلك، في حديث عبادة أنه قال يومًا وحضر رمضان: "أتاكم رمضان، شهرُ بركة ورحمة، يغشاكم الله فيه، فيُنزل الرحمة، ويحطّ الخطيئة، ويستجيب الدعاء، ينظر الله إلى تنافسكم فيه، فيباهي بكم ملائكتَه، فأرُوا الله من أنفسكم خيرًا، فإن الشقيَّ فيه من حرم رحمةَ الله" [5].

أيها المسلم، صُن الصومَ عن كلِّ المفسدات، يقول : "من صام رمضان وعرف حدوده وتحفَّظ مما ينبغي أن يُتحفَّظ منه كفَّر ما كان قبله" [6].

تفتَح فيه أبواب الجنان، وتغلَق فيه أبواب النار، وتُهيَّأ لكلّ مسلم أسبابُ الخير، فاحرص على ذلك أخي المسلم، يُروى عن سلمان رضي الله عنه أن النبي خطبهم في آخر يوم من شعبان فقال: "يا أيها الناس، قد أظلَّكم شهرٌ مبارك عظيم، شهرٌ جعل الله صيامَه فريضة، وقيامَ ليله تطوعًا، من تقرّب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدَّى فيه فريضة، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدّى سبعين فريضةً فيما سواه، وهو شهرُ الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يُزاد في رزق المؤمن فيه، من فطَّر فيه صائمًا كان مغفرةً لذنوبه وعتقَ رقبته من النار، وكان له من الأجر مثلُ أجره، من غير أن ينقص ذلك من أجره شيء، وهو شهر أوّله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتقٌ من النار، من خفَّف فيه عن مملوكه غفر الله له وأعتقه من النار، واستكثروا فيه من أربع خصال، خصلتين ترضون بهما ربكم، وخصلتين لا غنى لكم عنهما، فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم فشهادة أن لا إله إلا الله وتستغفرونه، وأما الخصلتان اللتان لا غنى لكم عنهما فتسألون الله الجنة وتستعيذون به من النار، ومن سقى فيه صائما سقاه الله من حوضي شربةً لا يظمأ بعدها حتى يدخل الجنة" [7].

أيها المسلم، استقبِل هذا الشهر بالنية الصادقة والعزيمة الصالحة على الجد والاجتهاد، والتقرب إلى الله بما يرضيه، يقول يومًا وقد أظلهم شهر رمضان قال فيه: "إن الله يكتب أجره ونوافله قبل أن يدخلَه، ويكتب إصرَه وشقاءَه قبل أن يدخله، ذلك أن المؤمنَ يُعدّ فيه القوتَ من النفقة للعبادة، ويعدّ المنافق تتبُّع غفلات المؤمنين، وتتبّع عوراتهم، فهو غنم للمؤمن يغتنمه الفاجر" [8].

اصدق الله في نيتك، واستقبله بعزيمة وجدّ، واحرص فيه على فعل الخير، وليكن صيامًا محفوظًا من كل المفسدات، مصانًا عن كل المنقصات، متقربًا بذلك إلى ربّك، فهو شهر تكفَّر فيه السيئات، شهرٌ تجاب فيه الدعوات، وتقال فيه العثرات، شهرٌ يسعدُ فيه المؤمن بطاعة ربّه، فرغِم أنفُ امرئ أدرك رمضان ومضى وما غُفر له، فاحذر ـ أخي ـ من تلك الحالات السيئة، واعرف لمواسم العبادة شأنَها وفضلها، ولا تسوِّها [مع] سائر الأيام، جدَّ واجتهد، وتُب إلى الله مما مضى وكان، فعسى الله أن يقبلَ في هذا الشهر توبتك، وعسى الله أن يمنَّ عليك بالقبول، وعسى أن تكون من الصائمين حقًا.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

--------------------------------------------------------------------------------

[1] كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما الذي أخرجه البخاري في الإيمان، باب: بني الإسلام على خمس (8)، ومسلم في الإيمان، باب: بيان أركان الإسلام ودعائمه العظـام (16).

[2] أخرجه البخاري في الصوم، باب: من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا ونية (1901)، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها، باب: الترغيب في قيام رمضان (760) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[3] أخرجه البخاري في الإيمان، باب: تطوع قيام رمضان من الإيمان (37)، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها، باب: الترغيب في قيام رمضان (759) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[4] أخرجه أحمد (2/292)، والبزار (1/458- كشف الأستار)، ومحمد بن نصر في قيام رمضان (ص112)، والبيهقي في الشعب (3602)، وقال البزار: "لا نعلمه عن أبي هريرة مرفوعًا إلا بهذا الإسناد، وهشام بصري يقال له: هشام بن زياد أبو المقدام، حدث عنه جماعة من أهل العلم وليس هو بالقوي في الحديث"، وقال الهيثمي في المجمع (3/140) : "رواه أحمد والبزار، وفيه هشام بن زياد أبو المقدام وهو ضعيف"، وقال الألباني في ضعيف الترغيب (1/294): "ضعيف جدًا".

[5] عزاه المنذري في الترغيب (2/99) إلى الطبراني من حديث عبادة رضي الله عنه وقال: "رواته ثقات إلا محمد بن قيس لا يحضرني فيه جرح ولا تعديل"، وقال الهيثمي في المجمع (3/142): "رواه الطبراني في الكبير، وفيه محمد بن أبي قيس ولم أجد من ترجمته"، وذكره الألباني في ضعيف الترغيب (592).

[6] أخرجه ابن المبارك في الزهد (ص98)، ومن طريقه أحمد (3/55)، وأبو يعلى (1058) من حديث أبي سعيد الخدري، وصححه ابن حبان (3433)، لكن فيه عبد الله بن قرط لم يرو عنه غير يحيى بن أيوب، أورده ابن أبي حاتم (5/140) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلاً، وقال الحسيني في الإكمال : "مجهول"، وضعفه الألباني في تمام المنة (ص395).

[7] رواه الحارث في مسنده (318 ـ بغية الباحث)، وابن خزيمة (3/191-1887)، وابن أبي حاتم في العلل (1/249)، وابن عدي في الكامل (5/293)، قال أبو حاتم : "هذا حديث منكر".

[8] أخرجه أحمد (2/374)، وابن خزيمة (3/188)، والطبراني في الأوسط (9/21) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال الهيثمي في المجمع (3/141): "رواه أحمد والطبراني في الأوسط عن تميم مولى ابن زمانة، ولم أجد من ترجمه"، وفي إسناده أيضًا عمرو بن تميم قال الذهبي في الميزان (5/302): "عمرو بن تميم عن أبيه عن أبي هريرة في فضل رمضان وعنه كثير بن زيد، قال البخاري: في حديثه نظر"، وقال العقيلي في الضعفاء (3/260) : "لا يتابع عليه"، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (590).

 

الخطبة الثانية

 الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.

عباد الله، إن صيام رمضان أداءً [يجب] على المسلم البالغ العاقل القادر عليه المقيم، فالمسلم البالغ والمسلم العاقل، والمسلم القادر على الصيام، والمسلم المقيم هذا يخاطبُ بالصيام، فيصوم رمضانَ في وقته أداءً، هكذا دلّت شريعة الله، ولكن الله يسَّر وهوَّن على الناس، فالمريض مثلاً، هذا المرض لا يخلو إما أن يكون مرضًا يسيرًا لا يؤثّر على الصيام، فهذا يصوم لأن وجودَ هذا المرض وعدمه سواء، لكن لو كان المرض يُضعفه، وقد يتحمَّل الصيام مع المشقة، فالأولى له أن يفطِر لقبول رخصة الله، أو أرشده الطبيب إلى ذلك فإنه يفطر لأن هذا قبولٌ لرخصة الله جل جلاله، والله يحبّ منَّا أن نأتي رخصَه كما يكره منا أن نفعل معصيته. وأما المرض الذي لو صام معه لكان ضررًا عليه متيقَّنًا فهذا إن كان هذا المرض مما يُرجى زواله بتوفيق من الله فيما أنزل الله من العادة فإنه يجب أن يفطرَ والله يقول: (وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ) [النساء:29]، ثم يقضي أيامًا أخر مكانه، أما إن كان هذا المرض من الأمراض المستمرَّة التي الغالب عدمُ ارتفاعها إلا أن يشاء الله، فالأمراض الخطيرة التي يقرر الأطباء أن الصوم لا يمكن مع وجود تلك الأمراض، فالأمراض المتعدّدة المتنوعة ـ عافى الله الجميع من كل سوء ـ المصابون بأيّ أمراض من الأمراض التي يقرّر الطبّ أن هذا لا يمكن الصوم معه، فهؤلاء يفطرون ويطعمون عن كل يوم مسكينًا، خمسة أربعين كيلو من الأرز أو الحب عن الشهر كله.

المسافر إن كان الصوم وعدمه سواءً في سفره فله أن يصوم وله أن يفطر، فالنبي صام في سفره، والنبي أفطر في سفره، كل ذلك وقع من النبي [1]، والصحابة سافروا فأفطر البعض، وصام البعض، فلم ينكر هذا على هذا[2]. فالصوم في السفر جائز، والفطر جائز، وإن قبول رخصة الله إذا لم يكن في القضاء مشقة فقبول رخصة الله أولى.

أيها المسلم، الشخص إذا أصابه الهرم وأصبح لا يحسن ولا يعي ما يقول ولا يدرك ما يقول، فقَدَ الذاكرةَ فلا يعرف شيئًا، هذا لا قضاءَ ولا إطعام عليه، لأنه في هذه الحالة غير مكلف، لكن من أعجَزه عن الصيام كبرُ سنّه، ولو مع وجود عقله، لكن كِبر السن أثقل الصيام عليه، فهذا يُطعمُ عنه عن كل يوم كيلو ونصف من الأرز أو الحب، فيقوم هذا الإطعام مقامَ الصيام، ولله الفضل والمنة على كل حال.

أيها المسلمون، إن صيامَ رمضان في شريعة الإسلام لإثباته طريقان، إما أن نكمل شعبان ثلاثين يومًا إذا لم يثبت رؤية الهلال مساء التاسع والعشرين من شعبان، فنكمِّل شعبان ثلاثين، وإمّا أن نرى الهلال مساءَ تسع وعشرين فإنا نصوم، والنبي يقول لنا: "صوموا لرؤيته، وأفطرا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدَّة ثلاثين" [3]، فالصوم والفطر في شريعتنا معلَّق بالرؤية البصرية، أو ما يعين على ذلك من وسائل، لكنها تدور حول الرؤية البصرية، فإن هذا هو شريعة الإسلام، وما سوى ذلك من الحساب الفلكي، فإن المسلمين مجمعون على أنه لا اعتبار له، وإنما الاعتبار بالرؤية البصرية التي يقول فيها : "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته" .

وكان المسلمون في عهد رسول الله يتطلعون الهلال، ويتراءَون الهلال، قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: تراءى الناسُ الهلال في عهد النبي ، فرأيته فصام النبي وأمر بصيامه[4]. فتطلُّع رؤية الهلال سنةُ المسلمين، لكي يكونوا على بصيرة في صيامهم وفطرهم.

أسأل الله أن يوفق الجميع لما يرضيه، وأن يرزقنا وإياكم عملاً صالحًا يقربنا إليه.

واعلموا ـ رحمكم الله ـ أن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي، هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله على الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار.

واعلموا أن صلاة التراويح سنةٌ مؤكدة، وأن المسلم إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة، فحافظوا ـ رحمكم الله ـ عليها، والزموها ولا يشغلكم عنها لهوٌ ولعب، واغتنموا هذه الليالي المباركة بما يقرّب إلى الله زلفى.

وصلوا على نبيكم محمد كما أمركم بذلك ربكم قال تعالى: (إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا) [الأحزاب:56].

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين...

--------------------------------------------------------------------------------

[1] كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما عند البخاري في المغازي (4279)، ومسلم في الصيام (1113).

[2] كما في قول أنس رضي الله عنه عند البخاري في الصوم (1947)، ومسلم في الصيام (1118).

[3] أخرجه البخاري في الصوم (1909)، ومسلم في الصيام (1081) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بنحوه.

[4] أخرجه الدرامي في الصوم، باب: الشهادة على رؤية هلال رمضان (1691)، وأبو داود في الصيام، باب: في شهادة الواحد على رؤية هلال رمضان (2322)، والدارقطني في الصيام (2/156)، وصححه ابن حزم في المحلى (4/164)، والحاكم (1541)، والألباني في الإرواء (908).

الشيخ: 
عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ