فضل العشر الأواخر من رمضان

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه، وعلى آله، وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

أما بعد:

فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حقَّ التقوى.

أخي المسلم، لنقف مع أنفسنا في هذه الليالي والأيام المباركات، وقفات، عسى أن تعود علينا بذكريات طيبة، عسى أن تعود علينا بعظة عظيمة، نتأثر بها في حاضرنا ومستقبلنا.

أخي المسلم، كلنا يعلم أننا خلقنا لعبادة الله، وأن وجودنا في هذه الدنيا مقدر بأيام وشهور وأعوام، يعلمها من قدرها وقضاها، وأن كل راحل من هذه الدنيا ولا بد، طال الزمن أو قصر: (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِيْنْ مِتَّ فَهُمْ الْخَالِدُونَ* كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)، وأن أقوالنا وأعمالنا محصاة علينا وسنواجه بها يوم القيامة: (وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً* اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً)، وأن هناك ملائكة مكلفون بإحصاء أعمالنا وأقوالنا: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ* كِرَاماً كَاتِبِينَ* يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ)، وقال جل جلاله: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)، ومهما حاولنا الهروب والهروب من واقع؛ فإن جوارحنا ستشهد علينا بكل ما عملنا: (يَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)، (وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ).

أيها الأخوة، هذا الكتاب سنشاهده يوم القيامة، وسيطلع كل منا على أعماله قليلها وكثيرها: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً)، وأن هناك موازين للعباد توزن أعمالهم خيرها وشرها: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ).

أخي المسلم، وقف مع نفسك أيضا، بأن تعلم أن الله جعل أزمنة وأعمالاً عظيمة، جعل أزمنة فاضلة، وجعل أعمالا عظيمة، ورتب عليها من الثواب ما رتب؛ فعلى المسلم أن يغتنم تلك المواسم، ويغتنم تلك الأوقات ويحرص على تلك الأعمال، عسى أن يوفق بأن يكون من عباد الله الصادقين المخلصين.

أخي المسلم، لنقف قليلاً، كنا منذ أيام نترقب رمضان، وننتظر متى يعلن شهر رمضان، وهل هو هذا اليوم أم غد، واليوم نحن بالعشر الأخيرة من رمضان، لقد مضى معظم أيام الشهر، ولكن بقي جله وخيره، بقية ثمراته وفوائده، العشر الأخيرة من هذا الشهر المبارك، تلكم الليالي والأيام المباركة، التي من وفقه الله فيها لعمل الخير؛ فإنه على طريق سعادة ونجاة بتوفيق الله، إنها ليالي مباركة، وأيام فاضلة، من عقلها وتدبرها واستغلها فيما يعود عليه بالخير في عاجل وآجله؛ فقد نال خيراً كثيرا.

أخي المسلم، العشر الأخيرة من رمضان فيها الفضائل المشهورة، والخصائص العظيمة، هذه العشر الأخيرة من رمضان، جاء في حديث سلمان: " أوله أول رمضان رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار"، هذه الليالي المباركة خصها نبيكم -صلى الله عليه وسلم- بخصائص؛ فكان يجتهد في رمضان، لكن في العشر الأخيرة يجتهد فيها ما لا يجتهد في غيرها من الليالي الماضية، كان في العشر الأخيرة يحيي ليله، ويوقظ أهله، يشد مأزره ويوقظ ويحيي ليله، ويوقظ أهله، يعتزل النساء، يحيي ليله بأنواع الذكر: من صلاة، وتلاوة، وذكر لله جل وعلا يوقظ أهله ليرشدهم إلى هذا الفضل العظيم، واغتنام تلك الساعات المباركة؛ لينالوا الخير العظيم.

أيها الأخوة، يخصها بالاعتكاف ملازمة لطاعة الله؛ فأعتكف العشر الأول والأوسط، ثم أعلم بأن ليلة القدر في العشر الأخيرة من رمضان؛ فكان اعتكافه كله في العشر الأخيرة من رمضان اعتكافا لا يعطل صلاة جمعة ولا جماعة، يؤم الناس بالجمعة والجماعة، ويفتيهم ويعلمهم ويرشدهم، لكنه يخلو وحده في عبادة الله جل وعلى؛ لتعود عليه بالخير -صلى الله عليه وسلم-، لكنه لا يفارق الناس، يؤمهم بالصلوات الخمس وفي جمعة، ويعلمهم ويرشدهم ويفتيهم، إنما كان يقتصر بعض الأوقات بالعشر خلوة بربه؛ لذكره؛ ليتلذذ بطاعة ربه، ويأنس بمناجاته.

أيها المسلمون، وإن من الخسارة العظيمة أن تفوت على المسلم تلك الليالي بلا فائدة، سهر ليلا بلا فائدة، ونوم عند الوقت المفضل، وتجاهل بهذه الأيام، وما كأن لها شأن، وهذا حال الغافلين، أما المؤمن حقاً؛ فهو يغتنمها ويجد فيها، ويطلع لها، ويرجو من الله القبول لأعماله.

أيها المسلم، وفي هذه العشر الأخيرة ليلة، هي خير الليالي على الإطلاق، ليلة هي أفضل الليالي على الإطلاق، ليلة نالت بها الأمة المحمدية الشرف والفضل والسؤدد، هذه الليلة هي ليلة القدر، هذه الليلة هي ليلة القدر تلك الليلة التي عظم الله شأنها، ورفع ذكرها، وذكرها في كتابه العزيز في موضعين من القرآن؛ فيقول جل وعلا في سورة الدخان: (حم* وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ* إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ* فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ* أَمْراً مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ* رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)، تأمل معي أخي هذه الآيات؛ فالله يقول: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ)، أي: أن إنزال القرآن، وابتداء إنزال الوحي على سيد البشر محمد -صلى الله عليه وسلم- كان في ليلة القدر، كما قال: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)؛ فابتداء إنزال الوحي، هذا الذكر العظيم الذي هو شرف الأمة وعزها ورفعتها: (لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ)، هذا القرآن المعجزة الكبرى لمحمد -صلى الله عليه وسلم- القائل: "ألا يعلم ما بعث الله من نبي إلا أتاه من الآيات لا على مثله آمن البشر، وإن الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي، وأرجو أن أكون أكثرهم تابعا"، (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ* فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ)؛ فهي ليلة مباركة، ذات بركة وخير، من بركاتها أن الدعاء مستجاب فيها، من بركاتها أن من وافق قيامها، من وافقها في قيامه غفر الله له ما تقدم من ذنبه: "من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه"، من بركات هذه الليلة أنها ليلة تكتب فيها الأحوال كلها: الأرزاق والآجال والخير والشر؛ فيعطى الملائكة ويرسل من اللوح المحفوظ متى يكون إلى مثلها من العام القادم؛ فإن التقديرات ثلاثة: تقدير عام كما قال جل وعلا: (وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ)؛ فإن أول ما خلق الله القلم، قال: اكتب قال ما أكتب؟ قال: اكتب؛ فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة قبل أن يخلق الله الخلائق بخمسين ألف سنة. ثم التقدير العمري، إذا بلغ الجنين في بطن أمه 120 يوما جائه ملك؛ فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيدا، ثم التقدير في ليلة القدر إلى مثلها من العام القادم، جعلني الله وإياكم فيها من السعداء الأتقياء، إنه أمر حكيم من أوامر الله المحكمة التي لا يلحقها سفه ولا باطل: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً).

أيها المسلم، إنزال القرآن في ليلة القدر زادها شرفاً وفضلا، هذا القرآن العظيم الذي هو آخر كتب الله، وآخر كتب الله وآخرها عهداً بالله، هذا القرآن العظيم، الذي جمع الله فيه معاني ما سلفه من الكتب، وجعله مهيمناً عليها يحق الحق ويبطل الباطل: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ)، هذا القرآن العظيم الذي تكفل الله بحفظه؛ فلم تستطع أيدي السوء أن تمتد إليه زيادة أو نقصاناً أو تحريفا في ألفاظه، بل هو محفوظ بحفظ الله، رغم كيد الأعداء من القدم، ولكن الله تكفل بحفظه؛ فحال بينهم وبين ما يريدون: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ).

أيها المسلمون، ما أسعد الأمة إذ هي عرفت خصائصها وفضائلها، وما أشرفها إن علمت مكانها الذي بوئها الله إياه، وما أسعدها إذ أيقنت بهذا كله، إنها أمة محمد خير الأمم، وأفضلها على الله: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)، إنها الأمة المحمدية التي حفظ دينها؛ فسيبقى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو الخير الوارثين، وفي الحديث: "ولا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله"، إنها الأمة المحمدية التي يحسدها أعدائها على كمال دينها، وكمال شرفها وفضلها، وما من الله عليها من الفضل العظيم: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً)، ليلة واحدة هي ير الليالي القيام فيها يعدل القيام في ألف شهر سواها ما يزيد على 83 سنة، كل هذا من فضل الله علينا أيها الأمة، ومن كرمه وجوده وإحسانه، حري بالأمة أن تعمل بالنور الذي نزل في تلك الليلة، ألا وهو القرآن العزيز؛ لتنال الشرف والفضل، حري بها أن تتدبر هذه النعمة، وتعلم أنها إن تجاهلتها؛ فقد فقدت أكبر نعمة عليها، وخسرت أعظم تجارة خصص لها، إنها ليلة القدر ليلة الفضل والكرم لهذه الأمة المحمدية لمن اتقى الله، وراقب الله، وخاف الله، وخشي الله، قف أيها المسلم مع نفسك في هذه الليالي المباركة؛ فلعلك أن تستأثم، ولعلك أن تتوب، ولعلك أن تتخلص من رواسب الذنوب والخطايا؛ لعلك أن تعود إلى نفسك وتفكر وتتأمل ما هي المظالم التي ارتكبتها مع عباد الله، ما هي المظالم مع عباد الله التي ظلمته في أموالهم؛ فجحدت حقوقهم، وأكلت أموالهم ظلماً وعدوانا، ما هي المظالم التي للعباد، انتهكت أعراضهم ورميت بما هم براء منه، ما هي المظالم التي بينك وبين ربك، من فرائض عطلتها ومحرمات ارتكبتها في أيام السفه والطيش والشباب، وأنت في حال الكهولة والشيخوخة، ألا توبة إلى الله في تلك الأيام، ألا ندم على استغفار، ألا استعتاب، ألا مراجعة للحساب الماضي، عسى أن نجد توبة نصوح، عسى أن نقف موقف الذل بين يدي الله، عسى أن نتعرض لنفحات الرب في هذه الليالي والأيام المباركة؛ فحري بنا وقد من الله علينا بإدراكها، ونحن في صحة في أبداننا، وسلامة في كل حواسنا، أن نغتنمها بتوبة إلى الله وتراجع عما كنا فيه، وندم على ما مضى، وعزم صادق على مواصلة العمل الصالح؛ فالله أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين، وأجود الأجودين.

 أسأل الله، أن يوفقني وإياكم لصالح القول والعمل إنه على كل شيء قدير، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب؛ فاستغفروه، وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأِشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.

 أما بعد:

 فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.

عباد الله، جاء في الحديث أن الله جل وعلا كتب في كتاب موضوع عنده فوق العرش: "إن رحمتي سبقت غضبي"، هذا فضل من الله أن رحمته سبقت غضبه، وأنه يحب أن يرحم عباده، ويحب أن يتفضل عليهم، ويدعوهم إلى التوبة إليه والإنابة والرجوع عما كان عليه من المخالفات، ينادي عباده قائلا: (قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)، وهو القائل: (غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ)، وهو القائل: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).

أخي المسلم، ما منا إلا وهو خطاء والخطأ منا وارد وممكن، ونسأل الله التجاوز والعفو والعافية؛ فلعلنا في هذه الليالي أن نجدد التوبة النصوح إلى الله لعلنا في هذه الليالي أن نتدبر خطايانا وذنوبنا مهما عظمت، ومهما كثرت، ومهما تنوعت، ومهما تعددت؛ فإن الله سيغفرها لنا إن نحن صدقنا مع الله في توبتنا، وإنابتنا إليه، إن نحن رفعنا أكف الضراعة إليه تائبين مستغفرين نادمين راجين خائفين؛ فإنه أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين، ينادي عباده: " يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأن أغفر الذنوب جميعا؛ فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا؛ فاستغفروني أغفر لكم"، وهو القائل في الحديث: "يا بن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني، غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا بن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني، غفرت لك يابن آدم لو آتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئ لأتيتك بقرابها مغفرة".

 يا بن آدم، تأمل في فضل الله وكرمه، كم تشكو من ديون عجزت عن وفائها، وحقوق ما استطعت قضائها؟ أتلجأ للمخلوق؟ لا الجأ إلى ربك، وأرفع أكف الضراعة إليه، يفتح لك أبواب الرزق ويسهل لك المهمات، ويغلبك الصعاب ما عليك إلا أن تمد يديك إليه؛ فتجده غنياً حميداً كريماً جواداً سخياً، يعطي الفضل جل وعلا بلا منة، لكنه يحب من عباده أن يدعوه، ويحب منهم أن يرجوه، ويحب منهم أن يسألوه، ويحب منهم أن يتضرعوا بين يديه، ويحب منهم أن يلحوا في السؤال إليه؛ فإن العبد إذا سأله وألح بالسؤال إليه قربه وأدناه، ورفع منزلته هذا غاية الكرم والجود: (مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ)، كل ما سألت العباد تكبروا عليك، واحتقروك واعرضوا عنك، واستثقلوك، وأما ربك إذا أقبلت عليه داعياً راجياً؛ فتجد منه باب مفتوحاً، وخيراً عظيما وفضل واسعا، كم تشكوا من قسوة أبنائك عليك؟ وعقوقهم لك الجأ إلى الله ليلين قلوبهم لك، ويسخرهم لك كم تشكو من مشاكل زوجية، تشكوا إلى الله همك، وتشكو إلى الله همك وحزنك، واذكر قول يعقوب -عليه السلام-: (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ)، هكذا المسلم كلما حلت به الكربات، ونزلت به الشدائد، والمصائب فإلى الله يشكو، وإلى الله يشكو، ومن الله يستمد المدد والعون؛ فإن الله أكرم الأكرمين، وأجود الأجودين، كلما سألته قربك وأحبك ورفع منزلتك وأغناك وأعطاك؛ فألجأ إليه في كل أحوالك، وتضرع بين يديه في هذه الليالي المباركة، دعاء المضطر دعاء المحتاج: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ* فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ)، (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ* فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ)؛ فأنبياء الله، وأولياءه، والصالحون من عباده، هم أهل الالتجاء والاضطرار إلى الله في كل الأحوال، في كل الأحوال كلها، يلجأون إلى ربهم، ويسألونه تفريج الكربات، وقضاء الحاجات، وتفريج الهموم والغموم، والله أكرم الأكرمين، وأجود الأجودين، وأرحم الراحمين، أسأل الله أن يمن علي وعليكم بكمال الافتقار إليه، والالتجاء إليه، والاضطرار إليه في كل الأحوال.

واعلموا -رحمكم الله-، أن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله على الجماعة، ومن شذ، شذ في النار.

 وصلوا - رحمكم الله- على عبدالله ورسوله محمد كما أمركم بذلك ربكم قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).

اللهم صلي وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وارض اللهم عن خلفائه الراشدين الأئمة المهديين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين وعن التابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وجودك وإحسانك يا أرحم الراحمين.

 اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين وانصر عبادك الموحدين واجعل اللهم هذا البلد آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين.

 اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أأمتنا وولاة أمرنا، اللهم وفقهم لما فيه صلاح الإسلام والمسلمين، اللهم وفق إمامنا إمام المسلمين عبدالله بن عبدالعزيز لكل خير، اللهم أمده بعونك وتوفيقك وتأييدك وكن له عونا ونصيراً بكل ما أهمه، اللهم اجمع به كلمة الأمة ووحد به صفوفها على الخير والهدى، اللهم شد أزره بولي عهده سلطان بن عبدالعزيز، اللهم وفقه لما تحبه وترضاه وبارك له في عمره وعمله ورزقه الصحة والسلامة والعافية، اللهم وفق النائب الثاني نايف بن عبدالعزيز لكل خير واعنه على مسؤوليته إنك على كل شيء قدير.

 اللهم اجعلنا في هذه الليالي المباركة أوفر حظ ونصيب، اللهم اجعلنا في هذه الليالي المباركة أوفر حظ ونصيب، اللهم اجعلنا فيها ممن غفرت ذنبه وسترت عيبه وأقلت عثرته وتفضلت عليه فأعتقته من النار، اللهم اجعلنا فيها ممن غفرت ذنبه وسترت عيبه وأقلت عثرته وأجبت دعائه وتفضلت عليه فأعتقته من النار، اللهم رحمتك أرجأ من أعمالنا ومغفرتك أوسع من ذنوبنا.

 اللهم إنا نسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لنا في هذه الساعة أجمعين إنك على كل شيء قدير، اللهم اغفر لنا جميعا يا حي يا قيوم ولا تجعل فينا شقياً ولا محروماً، اللهم اغفر لأمهاتنا، اللهم اغفر لأمهاتنا، اللهم اغفر لأمهاتنا، اللهم اغفر لآبائنا، اللهم اغفر لآبائنا، اللهم اغفر لذرياتنا، اللهم اجمع قلوبنا على طاعتك، اللهم اجعلنا ممن صام هذا الشهر وقامه إيماناً واحتسابا يرجو رحمتك ويخاف عذابك إنك على كل شيء قدير.

 ربنا اغفر لنا، ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون؛ فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على عموم نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

الشيخ: 
عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ