عبادة الاعتكاف

الحمد لله على نعمه الباطنة والظاهرة، شرع لعباده ما يصلحهم ويسعدهم في الدنيا والآخرة، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه نجوم الهدى الزاهرة، ومن اتبع هديه وتمسك بسنته الطاهرة.

 أما بعد:            

الاعتكاف من العبادات التي تجمع كثيراً من الطاعات ؛ من التلاوة، والصلاة، والذكر، والدعاء، وغيرها . وقد يتصور من لم يجربه صعوبته ومشقته، وهو يسير على من يسره الله عليه، فمن تسلح بالنية الصالحة، والعزيمة الصادقة، أعانه الله .

وآكد الاعتكاف في العشر الأواخر تحرياً لليلة القدر، وهو الخلوة الشرعية، فالمعتكف قد حبس نفسه على طاعة الله وذكره، وقطع عن نفسه كل شاغل يشغله عنه، وعكف بقلبه وقالبه على ربه وما يقربه منه، فما بقي له هم سوى الله وما يرضيه عنه .

وتعريف الاعتكاف :

في اللغة : لزوم الشيء وحبس النفس عليه .

وفي الشرع : لزوم المسجد والإقامة فيه من شخص مخصوص بنية التقرب إلى الله تعالى .

قال ابن القيم -رحمه الله- مبيناً بعض الحكم من الاعتكاف ما نصه: ( لما كان صلاح القلب واستقامته على طريق سيره إلى الله تعالى، متوقفاً على جمعيته على الله، ولم شعثه بإقباله بالكلية على الله تعالى ؛ فإن شعث القلب لا يلمه إلا الإقبال على الله تعالى، وكان فضول الطعام والشراب، وفضول مخالطة الأنام، وفضول الكلام، وفضول المنام ؛ مما يزيده شعثاً ويشتته في كل واد، ويقطعه عن سيره إلى الله تعالى أو يضعفه، اقتضت رحمة العزيز الرحيم بعباده أن شرع لهم من الصوم ما يذهب فضول الطعام والشراب و يستفرغ من القلب أخلاط الشهوات المعوقة عن سيره إلى الله، وشرع لهم الاعتكاف الذي مقصودة وروحه عكوف القلب على الله تعالى، والخلوة به، والانقطاع عن الاشتغال بالخلق، والاشتغال به وحده، بحيث يصير ذكره وحبه والإقبال عليه في محل هموم القلب وخطرا ته فيستولي عليه بدلها ... ) .أ.هـ

أولا:  قوله تعالى : (أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْعَاكِفِينَ) [1] .

ثانيا: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يعتكف في كل رمضان عشرة أيام فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوماً"[2] .

ثالثا: وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: يعتكف في كل رمضان فإذا صلى الغداة دخل مكانه الذي اعتكف فيه"[3] .

 

رابعا:  وعنها أيضا -رضي الله عنها-: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجل ثم اعتكف أزواجه من بعده" [4] .

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه، والحمد لله رب العالمين.

 

 

أقوال العلماء وفتاواهم في الاعتكاف

 

أولا: شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله-:

     وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: عما ورد في ثَوَاب صَيام الثَّلاثة أشهر، وَمَا تَقُول فِي الاعتكاف فيها ؛ والصَّمت ؛ هَلْ هو من الأعمال الصالحات ؟ أم لا ؟

فأجاب: أما تخصيص رجب وشعبان جميعاً بالصَّوم، أو الاعتكاف فلم يَرِد فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم شيءٌ، ولا عن أصحابه، ولا أئمة المسلمين ؛ بل قد ثبت في الصحيح : أن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم كان يَصُوم إلى شعبان، ولم يكن يَصُوم من السَّنة أكثر مما يَصُوم من شعبان، من أجل شهر رمضان  وأما صَوْم رَجَب بخصوصه، فأحاديثه كلها ضعيفة، بل موضوعة، لا يعتمد أهل العلم على شيء منها، وليست من الضَّعيف الذي يُروى في الفضائل، بل عامَّتها من الموضوعات المكذوبات، وأكثر ما روي   في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل رجب يقول: "اللَّهُمَّ بَارِك لَنَا فِي رَجَب وشَعْبَان، وَبَلِّغْنَا رَمَضَان"، وقد روى ابن ماجه في سننه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم "أَنه نَهَى عن صَوْم رَجَب"، وفي إسناده نَظَر لكن صَحَّ أن عمر بن الخطاب كان يَضْرِب أَيْدي الناس ؛ لِيَضَعُوا أيديهم في الطعام في رَجب ويقول: لا تُشَبِّهوه برمضان ودخل أبو بكر فرأى أهله قد اشتروا كِيزاناً للماء، واستعدوا للصَّوم، فقال : مَا هذا ؟! فقالوا: رَجَب . فقال : أَتُرِيدون أن تُشَبِّهوه بِرَمَضَان ؟ وكَسَّر تلك الكِيزان، فمتى أفطر بعضاً لم يُكره صوم البعض وفي المسند وغيره : حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنه أَمَر بِصَوْم الأشهر الحُرُم وهي رَجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم فهذا في صوم الأربعة جميعاً، لا من يخصص رجب وأما تخصيصها بالاعتكاف فلا أعلم فيه أَمْراً، بل كل من صام صوماً مَشْروعاً، وأراد أن يعتكف من صيامه كان ذلك جائزاً بلا ريب وإِن اعتكف بدون الصيام، ففيه قولان مشهوران، وهما روايتان عن أحمد: أحدهما: أنه لا اعتكاف إِلا بصوم، كمذهب أبي حنيفة، ومالك . والثاني: يَصِحُّ الاعتكاف، بدون الصَّوم . كمذهب الشافعي وأما الصَّمت عن الكلام مُطلقاً في الصَّوم، أو الاعتكاف، أو غيرهما فبدعة مَكْروهة، باتِّفاق أهل العلم . لكن هل ذلك مُحرَّم، أو مكروه ؟ فيه قولان في مذهبه، وغيره وفي صحيح البخاري : أنا أبا بكر الصِّديق دخل على امرأة من أحمس فوجدها مصمتة لا تتكلم، فقال لها أبو بكر : إنَّ هَذَا لا يحل ؛ إنَّ هذا من عمل الجاهلية، وفي صحيح البخاري عن ابن عباس : "أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم رَأَى رَجُلاً قائماً في الشَّمس، فقال : مَنْ هَذَا ؟ فقالوا : هذا أَبُو إسرائيل، نَذَرَ أَن يَقُوم في الشَّمْس، ولا يَسْتَظِل، وَلا يَتَكَلَّم وَيَصُوم . فقال : مُرُوه فَلْيَجْلِس وَلْيَسْتَظِل وَلْيَتَكَلَّم، وَليتم صَوْمه"، فأمره صلى الله عليه وسلم مع نَذْره للصَّمت، أن يتكلَّم، كما أمره مع نّذْره للقيام أن يجلس، ومع نذره أن لا يستظل، أن يستظل وإنما أمره بأن يوفى بالصَّوم  فقط، وهذا صَرِيحٌ في أن هذه الأعمال ليست من القُرَب التي يُؤْمَر بها الناذر وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : "مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ الله فَلْيُطِعه وَمَن نَذَرَ أَن يَعْصِي الله فَلا يَعْصِه"، كذلك لا يُؤْمر النَّاذر أن يفعلها، فمن فعلها على وجه التَّعبد بها والتَّقَرُّب، واتِّخاذ ذلك ديناً وطريقا إلى الله تعالى ؛ فهو ضال جاهل مخالف لأمر الله ورسوله ومعلوم أن من يَفْعل ذلك من نّذْر اعتكافاً ونحو ذلك، إنَّما يفعله تَدَيُّناً، ولا ريب أن فعله عَلَى وجه التدين حَرَام فإنه يعتقد ما ليس بقربة قربة، ويتقرّب إلى الله تعالى بما لا يحبه الله، وهذا حرام، لكن من فعل ذلك قبل  بُلُوغ العلم إليه، فقد يكون معذوراً بجهله إذا لم تقم عليه الحجة، فإذا بلغه العلم فعليه التوبة وجماع الأمر في الكلام قوله صلى الله عليه وسلم : ( مَنْ كَانَ يُؤْمِن بالله واليَوم الآخِر فَلْيَقُل خَيْراً أو لِيَصْمُت ) فَقَوْل الخير،  وهو الواجب، أو المُسْتَحَبّ، خير من السُّكوت عنه، وما ليس بواجب، ولا مستحب، فالسكوت عنه خير من قوله ولهذا قال بعض السلف لصاحبه : السُّكُوت عن الشَّر خّيْر من التَّكلم به فقال له الآخر : التَّكَلُّمُ بالخير خَيْر من السُّكوت عنه، وقد قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى)، [ المجادلة : 9 ]، وقال تعالى : (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً)، [ النساء : 114 ]، وفي السُّنَن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " كُلُّ كّلام ابن آدم عَلَيْه لا لَه، إِلا أَمْراً بِمَعْرُوف، أَوْ نَهْياً عن مُنْكَر، أو ذِكْراً لله تَعَالى"، والأحاديث في فضائل الصَّمت كثيرة، وكذلك في فضائل التَّكَلُّم بالخير والصَّمت عما يَجب من الكلام حَرَام، سواء اتخذه دِيناً أو لم يتخذه كالأمر بالمعروف والنَّهي عن المُنْكَر فيجب أن تُحِبّ مَا أَحَبَّه الله ورسوله، وتَبْغَض مَا يَبْغضَه الله وَرَسُوله وتُبيح مَا أَبَاحَهُ الله ورسوله، وتُحَرِّم ما حرَّمه الله ورسوله.

( من كتاب فتاوى رمضان)

ثانيا: اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:

1-     سئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: إني من سكان الكويت، وكنت معتكفاً في العشر الأواخر من رمضان، وحينما علمت أنه ثبتت رؤية الهلال في السعودية وغيرها من البلدان نقضت معتكفي وذهبت على منزلي، وجامعت أهلي، وأفطرت ؛ لأنني ظننت أن ذلك اليوم من شوال، ولا يجوز الصيام فيه، فما هو الحكم الشرعي في هذه المسألة علي وعلى أهلي ؟ أفتونا مأجورين مع أدلة ذلك .

فأجابت: اصبت في إفطارك يوم الجمعة وفي خروجك من معتكفك لأنه يوم عيد الفطر لثبوت رؤية هلال شوال ليلة الجمعة، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ .. ) الحديث، وإذا كان عدد الأيام التي صمتها من رمضان ثمانية وعشرين يوماً فصم يوماً قضاء حتى يتم به صومك تسعة وعشرين يوماً.

وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم

 

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإِفتاء

عبد الله بن غديان حفظه الله: (عضو).

عبد الرزاق عفيفي رحمه الله: (نائب رئيس اللجنة).

عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله: (الرئيس).

 

 

2-     وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:هل يجوز لمن يريد الاعتكاف أن يخصص يوماً بعينه للاعتكاف ؟

فأجابت: ليس له أن يخص يوماً بعينه يعتاد الاعتكاف فيه، لكن يحرص على الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان ؛ اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم .

وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

 

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإِفتاء

عبد الله بن غديان حفظه الله: (عضو).

عبد الله بن قعود رحمه الله: (عضو).

عبد الرزاق عفيفي رحمه الله: (نائب رئيس اللجنة).

عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله: (الرئيس).

 

 

3-     وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: هل يجوز الاعتكاف في أي وقت دون العشر الأواخر من رمضان ؟

فأجابت: نعم يجوز الاعتكاف في أي وقت، وأَفْضَلُه ما كان في العَشْر الأَوَاخِر من رمضان ؛ اقتداءً برسول الله عليه الصلاة والسَّلام وأصحابه رضي الله عنهما وقد ثَبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه اعتكف في شوال في بعض السَّنوات.

وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

 

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإِفتاء

عبد الله بن غديان حفظه الله: (عضو).

عبد الله بن قعود رحمه الله: (عضو).

عبد الرزاق عفيفي رحمه الله: (نائب رئيس اللجنة).

عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله: (الرئيس).

 

4-     وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: هل تعتبر غرفة الحارس وغرفة لجنة الزكاة في المسجد صالحة للاعتكاف فيها ؟ علماً بأن أبواب هذه الغرف في داخل المسجد؟

فأجابت: الغرف التي داخل المسجد وأبوابها مشرعة على المسجد لها حكم المسجد، أما إن كانت خارج المسجد فليست من المسجد، وإن كانت أبوابها داخل المسجد.

وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإِفتاء

عبد الله بن قعود رحمه الله: (عضو).

عبد الرزاق عفيفي رحمه الله: (نائب رئيس اللجنة).

عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله: (الرئيس).

 

5-     وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: هل تعتبر غرفة الحارس وغرفة لجنة الزكاة في المسجد صالحة للاعتكاف فيها ؟ علماً بأن أبواب هذه الغرف في داخل المسجد؟

فأجابت: الغرف التي داخل المسجد وأبوابها مشرعة على المسجد لها حكم المسجد، أما إن كانت خارج المسجد فليست من المسجد، وإن كانت أبوابها داخل المسجد.

وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإِفتاء

عبد الله بن قعود رحمه الله: (عضو).

عبد الرزاق عفيفي رحمه الله: (نائب رئيس اللجنة).

عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله: (الرئيس).

 

6-     وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: إذا أراد شخص أن يعتكف في العشر الأواخر من رمضان كلها في المسجد؛ فمتى يكون بدء دخوله المسجد، ومتى يكون انتهاء اعتكافه ؟

فأجابت: روى البخاري ومسلم رحمهما الله عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إِذا أَرَادَ أن يَعْتَكف، صَلَّى الفجر، ثم دَخَلَ مُعْتَكفه"، وينتهي مدة اعتكاف عشر رمضان بغروب شمس آخر يوم منه.

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإِفتاء

عبد الله بن قعود رحمه الله: (عضو).

عبد الرزاق عفيفي رحمه الله: (نائب رئيس اللجنة).

عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله: (الرئيس).

 ( من كتاب فتاوى رمضان ) 

 

ثالثا: فضيلة الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي -رحمه الله-:

     هل تكفي النية إذا شرط في اعتكافه شيئاً لا بد له منه ولم ينطق به ؟

وسئل العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله:

إذا شرط في اعتكافه شيئاً مما له منه بد، فهل تكفي نيته، أم لا بد من نطقه ؟

فأجاب:  نيَّته كافية عن نُطْقه، كما هو الأَصل في كل العِبادات، إِلا الاشتراط في الحج، فلا بُدَّ من نُطْقِه فيه، والله أعلم.  

( من كتاب فتاوى رمضان)

رابعا: فضيلة الشيخ العلامة ابن باز-رحمه الله-:

     سئل سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز رحمه الله: ما حكم الاعتكاف في المساجد، وما معناه شرعا، وهل هو شامل للنوم مع الأكل في المساجد وإباحته أم لا ؟

فأجاب: لا ريب أن الاعتكاف في المسجد قربة من القرب، وفي رمضان أفضل من غيره، لقول الله تعالى: (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ)،  [ البقرة : 187 ]. ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، وترك ذلك مرة فاعتكف في شوال والمقصود من ذلك: هو التفرغ للعبادة والخلوة بالله لذلك، وهذه هي الخلوة الشعرية وقال بعضهم في تعريف الاعتكاف: ( هُو قَطْع العَلائق عن كُلِّ الخلائق للاتِّصال بخِدْمة الخَالِق ) والمقصود من ذلك: قطع العلائق الشَّاغلة عن طاعة الله وعبادته، وهو مشروع في رمضان وغيره كما تقدم، ومع الصيام أفضل، وإن اعتكف من غير صوم فلا بأس على الصحيح من قولي العلماء لما ثبت في الصحيحين عن عمر رضي الله عنه أنه قال : يا رسول الله إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، وكان ذلك قبل أن يسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أَوْف بِنَذْرِك" ومعلوم أن الليل ليس مَحَلاً للصَّوم، وإنما محله النهار، ولا بأس بالنوم والأكل في المسجد للمعتكف وغيره؛ لأحاديث وآثار وردت في ذلك ولما ثبت من حال أهل الصفة مع مراعاة الحرص على نظافة المسجد والحذر من أسباب توسيخه من فضول الطعام أو غيرها لما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "عُرضَت عَلَيّ أُجُور أُمَّتي حَتَّى القّذَاة يُخْرِجها الرَّجل من المَسْجَد" رواه أبو داود والترمذي وصححه ابن خزيمة ولحديث عائشة رضي الله عنها، أَنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم: "أمر بِبِنَاء المَسَاجد في الدُّور وأن تنظّف وتطيب" رواه الخمسة إلا النسائي وسنده جيد والدُّور: هي الحارات والقبائل القاطنة في المدن وأسأل الله أن يوفقنا وغياكم للعلم النافع والعمل به، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا جميعاً إنه سميع قريب. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

( من كتاب فتاوى رمضان)

خامسا: معالي فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين -رحمه الله-:

1-     سئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين رحمه الله: رجل معتكف وهو موظف، والدوام – أي نهاية العمل – في الوظائف إنما ينتهي في الخامس والعشرين من رمضان، فما حكم ذلك؟

فأجاب: لا شك أن هذا الذي اعتكف وترك ما يجب عليه من البقاء في الوظيفة، لا شك أنه مجتهد، ولكن الاجتهاد إذا لم يكن مبنياً على قواعد شرعية، فإنه اجتهاد خاطئ، قد يثاب الإنسان عليه لكونه اجتهد وأراد الحق، لكن يجب أن يكون اجتهادنا مبنياً على الكتاب والسنة فالذي ترك واجب الوظيفة وجاء يعتكف كالذي يهدم مصراً ويبني قصراً لأنه قام بشيء مستحب، ولم يقل أحد بوجوبه من المسلمين فإن العلماء مجمعون على أن الاعتكاف لا يجب إنما هو سُنَّة وأما القيام بواجب الوظيفة، فإنه داخل في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، [ المائدة : 1 ]، وفي قوله : (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً)، [ الإسراء: 34]، فهذا الرجل ترك واجباً لفعل مُسْتحب ولهذا يجب عليه أن يقطع الاعتكاف، ويهذب إلى وظيفته، إذا كان يريد السَّلامة من الإثم فإن بقي في اعتكافه، فإنه يكون قد اعتكف في زمن مستحق لغيره وقواعد الفقهاء تقتضي أن اعتكافه لا يصح في هذه الحال لأنه في زمن مغصوب أو يشبه المغصوب ولقد أحببت أن أنبه على ذلك لأجل أن يعرف الإخوة الحريصون على فعل الخير أنه لا بد من مراعاة القواعد الشرعية والأدلة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، من أجل أن يبني اجتهاده على حق، فيعبد الله على بصيرة. 

2-     وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين رحمه الله: هل يلتزم المعتكف مكاناً محدَّداً في المسجد، أم يجوز له التنقل في أنحائه ؟

فأجاب: يجوز للمعتكف أن يتنقل في أنحاء المسجد من كل جهة، لعموم قوله تعالى : (وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ)، [ البقرة : 187 ]،  " فِي " : للظرفية، فتشمل ما لو شغل الإنسان جميع الظرف. 

3-     وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين رحمه الله: نود أن نعرف ما الذي يُستحب للاعتكاف، وما الذي يُكره له ؟

فأجاب: الذي يُستحب في الاعتكاف أن يشتغل الإنسان بطاعة الله عز وجل، من تلاوة القرآن والذكر والصلوات وغير ذلك، وأن لا يُضَيِّع وقته فيما لا فائدة فيه، كما يفعله بعض المعتكفين، تجده يبقى في المسجد يأتيه الناس في كل وقت يتحدثون إليه، ويُقطِّع اعتكافه بلا فائدة؛ وأما التحدُّث أحياناً مع بعض الناس أو بعض الأهل فلا بأس به، لما ثبت في الصحيحين من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كانت صفية رضي الله عنها تأتي إليه فتتحدث عنده ساعة ثم تنقلب إلى بيتها. 

4-     وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين رحمه الله: نود أن نعرف ما الذي يُباح للمعتكف؟

فأجاب: المعتكف كما أسلفنا يلتزم المسجد للتفرُّغ لطاعة الله عز وجل وعبادته، فينبغي أن يكون أكثر همّه اشتغاله بالقربات من الذكر وقراءة القرآن وغير ذلك، ولكن المُعتكف أفعاله تنقسم إلى أقسام :  قسمٌ مباحٌ، وقسمٌ مشروعٌ ومُستحبُّ، وقسمٌ ممنوعٌ:

فأما المشروع: فهو أن يشتغل بطاعة الله سبحانه وتعالى وعبادته والتقرب إليه ؛ لأن هذا هو لُبُّ الاعتكاف والمقصود منه، ولهذا قُيِّد في المساجد.

وقسمُ آخر هو القسم الممنوع: هو ما ينافي الاعتكاف، مثل أن يخرج الإِنسان من المسجد بلا عذر، أو يبيع ويشتري، أو يُجامع زوجته، أو ما أشبه ذلك من الأفعال التي تُبْطل الاعتكاف لمنافاتها لمقصوده.
وقسمُ ثالث: جائز مباح: كالتحدُّث على الناس، والسؤال عن أحوالهم وغير ذلك مما أباح الله تعالى للمعتكف، ومنه: خروجه لما لابد له منه كخروجه لإحضار الأكل والشرب، إذا لم يكن له من يُحضرهما وخروجه لقضاء الحاجة من بول وغائط، وكذلك خروجه لأمر مشروع واجب؛ بل هذا واجب عليه، كما لو خرج ليغتسل من الجنابة، وأما خروجه لأمرٍ مشروع غير واجب، فإن اشترطه فلا بأس، وإن لم يشترطه فلا يخرج، وذلك كعيادة المريض، وتشييع الجنازة، وما أشبههما، فله أن يخرج لهذا إن اشترطه، وإن لم يشترطه فليس له أن يخرج، ولكن إذا مات له قريب أو صديق وخاف إن لم يخرج أن يكون هناك قطيعة أو مفسدة فإنه يخرج ولو بطل اعتكافه ؛ لأن الاعتكاف مستحبُّ لا يلزمه المضي فيه. 

5-     وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين رحمه الله: هل للمعتكف في الحرم أن يخرج للأكل أو الشرب وهل يجوز له الصعود إلى سطح المسجد لسماع الدروس ؟

فأجاب: نعم، يجوز للمعتكف في المسجد الحرام أو غيره أن يخرج للأكل والشرب، إن لم يكن في إمكانه أن يحضرهما إلى المسجد ؛ لأن هذا أمر لا بد منه، كما أنه سوف يخرج لقضاء الحاجة، وسوف يخرج للاغتسال من جنابة إذا كانت عليه الجنابة . وأما الصعود إلى سطح المسجد فهو أيضاً لا يضر لأن الخروج من باب المسجد الأسفل إلى السطح ما هي إلا خطوات قليلة ويقصد بها الرجوع إلى المسجد أيضاً، فليس في هذا بأس.

6-     وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين رحمه الله: هل يجوز للمعتكف الاتصال بالتِّليفون لقضاء حوائج المسلمين ؟

فأجاب: نعم، يجوز للمعتكف أن يتَّصل بالتِّليفون لقضاء بعض حوائج المسلمين، إذا كان التِّليفون في المَسْجد الذي هو مُعْتكف فيه ؛ لأنه لم يخرج من المسجد أما إذا كان خارج المسجد فلا يخرج لذلك، وقضاء حوائج المسلمين إذا كان هذا الرَّجل معنياً بها فلا يعتكف لأن قضاء حوائج المسلمين أهم من الاعتكاف لأن نَفْعَها مُتَعَدٍّ، والنَّفع المُتَعَدِّي أفضل من النَّفع القَاصِر، غلا إذا كان النَّفع القاصر من مُهِمَّات الإسلام وواجباته. 

7-     وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين رحمه الله: هل يجوز لمن كان متطوعاً للإِمامة في أَحَد المَسَاجد أن يخرج من مُعْتكفه في الحرم للصلاة بالناس ؟

فأجاب: المعتكف الذي يُصَلِّي في المسجد صلاة التَّراويح تَطَوُّعاً منه لا يخرج من معتكفه، لأنه غير مُلْزم بهذا المسجد، وأهل المسجد يُدَبِّرُون لهم إماماً أما إذا كان الإِنسان رَسْميّاً في هذا المسجد فإنه لا يجوز له أن يعتكف ويدع المسجد الذي تَعَهَّدَ به أمام الحكومة.

8-     وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين رحمه الله: هل يجوز الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة؟ وما الدليل ؟

فأجاب:  نعم، يجوز الاعتكاف في غير المساجد الثَّلاثة – المسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم، والمسجد الأقصى ودليل ذلك: عموم قوله تعالى : (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ)، [ البقرة : 187 ]. فإن هذه الآية خطاب لجميع المسلمين، ولو قلنا إن المراد بها المساجد الثلاثة، لكان أكثر المسلمين لا يُخَاطَبُون بهذه الآية ؛ لأن أكثر المُسْلِمين خارج مكة والمدينة والقدس وعلى هذا فنقول إن الاعتكاف جائز في جميع المساجد، وإذا صَحَّ الحديث بأنه: "لا اعْتِكَافَ إِلا في المَسَاجِدِ الثَّلاثَة"، فالمراد أنه الاعتكاف الأكمل والأفضل، ولا شك أن الاعتكاف في المساجد الثلاثة أفضل من غيره، كما أن الصَّلاة في المساجد الثَّلاثة أفضل من غيرها فالصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في المسجد النبوي خير من ألف صلاة فيما عَداه إلا المسجد الحرام، والصلاة في المسجد الأقصى بِخُمْسمائة صلاة هذا – أي الأجر – فيما يفعله الإِنسان في المساجد، كصلاة الجماعة في الفريضة، وفي صلاة الكسوف، وكذلك تحيّة المسجد، وأما الرواتب والنوافل التي تفعلها غير مُقِيَّد بالمسجد فصلاتك في البيت أفضل ولهذا نقول في مكة : صلاتك الرواتب في بيتك أفضل من صلاتك إياها في  المسجد الحرام وكذلك الأمر بالنسبة للمدينة ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال وهو بالمدينة : "أفْضَل صَلاة المَرْء في بَيْتِه إِلا المَكْتُوبة"، وكان صلى الله عليه وسلم يصلي النوافل في بيته أما التَّراويح، فإنها من الصَّلوات التي تشرع في المساجد، لأنها تشرع فيها الجماعة. 

9-     وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين رحمه الله: متى يخرج المعتكف من اعتكافه؟ أبعد غروب شمس ليلة العيد أم بعد فجر يوم العيد ؟

فأجاب: يخرج المُعْتَكف من اعتكافه إذا انتهى رمضان، ويَنْتَهي رمضان بغروب الشَّمس ليلة العيد، كما أنه يدخل المُعْتَكِف بغروب الشمس ليلة العِشْرين من رمضان، فإن العشر الأواخر تَبْتّدئ بغروب الشَّمس ليلة العشرين من رمضان، وتَنْتَهي بغروب الشَّمس ليلة العيد.  

10-وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين رحمه الله: هل الاعتكاف له زمانٌ محدد، أو يقتصر على رمضان، أم يجوز في غير رمضان ؟

فأجاب:  المشروع أن يكون في رمضان فقط ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتكف في غير رمضان، إلا ما كان منه في شوَّال . ولكن لو اعتكف الإنسان في غير رمضان، لكان هذا جائزاً ؛ لأن عمر رضي الله عنه، سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني نذرت أن أعتكف ليلة أو يوماً في المسجد الحرام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أَوْفِ بنذرك" . 

11-وسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين رحمه الله: متى يخرج المعتكف من اعتكافه؟ أبعد غروب شمس ليلة العيد أم بعد فجر يوم العيد ؟

فأجاب: يخرج المُعْتَكف من اعتكافه إذا انتهى رمضان، ويَنْتَهي رمضان بغروب الشَّمس ليلة العيد، كما أنه يدخل المُعْتَكِف بغروب الشمس ليلة العِشْرين من رمضان، فإن العشر الأواخر تَبْتّدئ بغروب الشَّمس ليلة العشرين من رمضان، وتَنْتَهي بغروب الشَّمس ليلة العيد. 

                                        ( من كتاب فتاوى رمضان )

سادسا: معالي فضيلة الشيخ الدكتور صالح الفوزان :

1-     أحكام الإعتكاف : الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه،. وبعد:

اعلموا أن هناك عبادة عظيمة تتعلق بالصيام وهي عبادة الاعتكاف، وقد ختم الله به آيات الصيام حيث قال سبحانه : (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) والاعتكاف لغة : - لزوم الشيء والمكث عنده، ومنه قوله تعالى : (يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ).

واصطلاحًا : لزوم المسجد لطاعة الله، ويسمى جوارًا، وهو سنة وقربة بالكتاب والسنة والإجماع، وهو من الشرائع القديمة وفيه تقرب إلى الله تعالى بالمكث في بيت من بيوته وحبس للنفس على عبادة الله، وقطع للعلائق عن الخلائق للاتصال بالخالق، وإخلاء للقلب من الشواغل عن ذكر الله، والتفرغ لعبادة الله بالتفكر والذكر وقراءة القرآن والصلاة والدعاء والتوبة والاستغفار، والاعتكاف مسنون كل وقت ولكنه في رمضان آكد لفعله عليه الصلاة والسلام ومداومته عليه . ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله )، وقد اعتكف أزواجه رضي الله عنهن معه وبعده، ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت : ثم اعتكف أزواجه من بعده واعتكفن معه واستترن بالأخبية، وأفضل الاعتكاف في رمضان الاعتكاف في العشرة الأواخر لأنه صلى الله عليه وسلم داوم عليه إلى وفاته لقول عائشة رضي الله عنها قالت : ( كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله )، ولأن العشر الأواخر أرجى لتحري ليلة القدر .

والاعتكاف عمل وعبادة لا يصح إلا بشروط : 

الأول : - النية لقوله صلى الله عليه وسلم : ( إنما الأعمال بالنيات ) .

الثاني : - أن يكون في مسجد لقوله تعالى : (وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ)، فوصف المعتكف بكونه في المسجد، فلو صح في غيرها لم يختص تحريم المباشرة فيه . إذ هي محرمة في الاعتكاف مطلقًا، ولأنه صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في مسجده وفعله خرج بيانًا للمشروع .

الثالث : - أن يكون المسجد الذي اعتكف فيه تقام فيه صلاة الجماعة لما روى أبو داود عن عائشة : (ولا اعتكاف إلا في مسجد جماعة )، ولأن الاعتكاف في غير المسجد الذي تقام فيه الجماعة يفضي إما إلى ترك الجماعة، وإما إلى تكرر خروج المعتكف كثيرًا مع إمكان التحرز من ذلك وهو مناف للاعتكاف، ولا يجوز للمعتكف الخروج من معتكفه إلا لما لا بد له منه .

قالت عائشة رضي الله عنها : السنة للمعتكف أن لا يخرج إلا لما لا بد منه، وكان - صلى الله عليه وسلم – ( لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان، ولا يعود مريضًا ولا يشهد جنازة إلا إن كان قد اشترط ذلك في ابتداء اعتكافه ) .

ويحرم على المعتكف مباشرة زوجته لقوله تعالى : (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ)، أي ما دمتم عاكفين - ويستحب اشتغاله بذكر الله من صلاة وقراءة وذكر، واجتناب ما لا يعنيه لقوله صلى الله عليه وسلم : ( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه )، وله أن يتحدث مع من يأتيه ما لم يكثر، ولا بأس أن يتنظف ويتطيب، وله الخروج لما لا بد له منه، ( وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان ) متفق عليه، فله أن يخرج لقضاء الحاجة والطهارة الواجبة وإحضار الطعام والشراب إذا لم يكن له من يأتي بهما، هذا هو الاعتكاف المشروع وهذه بعض أحكامه ... ).أ.هـ  

( من كتاب إتحاف أهل الإيمان لفضيلة الشيخ صالح الفوزان)

2-     وسئل فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان : ما هو الاعتكاف ؟ وما حكمه ؟ وهل يجوز الاعتكاف في بيتي ؟

فأجاب: الاعتكاف عبادة عظيمة، نص الله جلَّ وعلا عليها في كتابه الكريم، وفي آيات من كتابه منها: قوله تعالى لخليله إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام: (وَطَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ)، [ البقرة : 125 ]، ومنها قوله تعالى : (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ)، [ البقرة: 187]، وهو من سنة النبي صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه، وقد كان عليه الصلاة والسلام يعتكف في العشرة الأوسط من رمضان طلباً لليلة القدر، ثم في آخر حياته صلى الله عليه وسلم صار يعتكف في العشر الأواخر من رمضان ؛ لما تبين له أن ليلة القدر ترجى في العشر الأواخر، واعتكف معه نساؤه عليه الصلاة والسلام فالاعتكاف عبادة عظيمة، وهو المكث في مسجد من المساجد لأجل عبادة الله وحده لا شريك له ؛ بالصلاة، وتلاوة القرآن، وذكر الله عزَّ وجلَّ، والتفرغ لذلك من أعمال الدنيا، والاشتغال بالله سبحانه وتعالى هذا هو الاعتكاف، وهو مشروع كل وقت ولكنه لا يشرع إلا في مسجد تصلَّى فيه صلاة الجماعة ؛ لقوله تعالى : (وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ)، أما أن يعتكف الإِنسان في بيته، أو في مسجد مهجور ؛ لانتقال أهله من حوله، ولا يصلي فيه ؛ فهذا لا يجوز للمسلم ؛ لأنه منقطع بذلك عن صلاة الجماعة فلا يشرع الاعتكاف إلا في مسجد تصلى فيه صلاة الجماعة وبالله التوفيق.

( من كتاب فتاوى رمضان )

سابعا: فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين:

1-     وسئل فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين : إذا نذرت أن أعتكف يوماً أو ليلة متى يبدأ وقت الاعتكاف ومتى ينتهي ؟

فأجاب: إذا نذرت أن تعتكف يوماً وَجَبَ عليك أن تدخل المُعْتَكَف قبل طُلوع الشمس ولا تخرج إلا بعد غروب الشَّمس وإذا نذرت اعتكاف ليلة فعليك أن تدخل المُعْتَكَف قبل غروب الشمس ولا تخرج إلا بعد طُلوع الشَّمس . والله أعلم. 

2-     وسئل فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين : ما حكم الاعتكاف ؟ وهل يجوز في غير المساجد ؟

فأجاب: الاعتكاف سُنَّة، وهو لا يَصِحُّ إلا في المساجد.

أولاً: لأن الله – جل وعلا – قال : (وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) [ البقرة : 187 ]، وقال تعالى: (أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْعَاكِفِينَ)، [ البقرة : 125 ]، والبيت هو المسجد الحرام.

ثانياً: أنه إذا اعتكف في غير المسجد، فإنه يؤدي إلى تَرك الصَّلاة مع جماعة المسلمين في المَسْجد وتركها ذَنْبٌ كبير، أو يؤدي إلى أن يخرج إلى الصَّلاة في كل وقت وكثرة الخروج والتَّرَدُّد ذِهاباً وَإِياباً يُنَافِي الاعتكاف لأن الاعتكاف ملازمة المعتكف. 

3-     وسئل فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين : هنالك سنة قد تهاون فيها أكثر الناس ألا وهي سنة الاعتكاف فما توجيهكم ؟ وما شروط الاعتكاف ؟ وما يجوز وما لا يجوز ؟ وهل يجوز للمرأة أن تعتكف ؟ وأين يكون ؟

فأجاب: الاعتكاف هو لزوم المسجد لطاعة الله، وهو سنة مؤكدة في كل زمان، ويتأكد في العشر الأواخر من رمضان، كما روت عائشة رضي الله عنها : "أَنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يَعْتَكِف العَشْر الأَوَاخِر مِن رَمَضَان حَتَّى تَوَفَّاه الله – عَزَّ وَجَلَّ – ثم اعتكف أزواجه من بَعْده" وروى البخاري عن أبي هريرة قال : "كان رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَعْتَكِف في كل رَمَضَان عَشْرة أَيَّام، فَلَمَّا كان العام الذي قَبض فيه اعْتَكَف عِشْرِين يَوماً". قال ابن رجب في "اللطائف": "وإنما كَان النَّبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في هذه العشر قطعاً لأشغاله وتفريغاً لباله وتخلياً لمناجاة ربه وذكره ودعائه وكان يحتجر حجراً يتخلى فيها عن الناس.

ولهذا ذهب الإِمام أحمد إلى أن المُعْتَكِف لا يُسْتَحَبُّ له مُخَالطة الناس حتى ولا لتعليم علم وإقراء قرآن بل الأفضل له الانفراد بنفسه وهو الخلوة الشَّرعية لهذه الأمة، وإنما كان في المساجد لِئَلّا يترك به الجمعة والجماعات فالمعتكف قد حبس نفسه على طاعة الله وذكره وقطع عن نفسه كل شاغل يشغله عنه، وعكف  بقلبه وقَالبه عَلَى رَبِّه وما يقربه منه، فما بقي له همّ سوى الله وما يرضيه عنه  فمعنى الاعتكاف وحقيقته : قَطْع العَلائق عن الخَلائق للاتِّصال بخدمة الخالق، وكلما قَويت المَعْرفة والمحبة له والأُنس به أورثت صاحبها الانقطاع إليه بالكُلِّية على كل حال" إهـ.

ولا يصح الاعتكاف إلا بشروط :
1- النِّية : لحديث : "إنَّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ ...".
2- أن يكون في مسجد: لقوله تعالى : (وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ)، [ البقرة : 187 ]، وكان صلى الله عليه وسلم يعتكف في مسجده.
3- أن يكون ذلك المسجد مما تقام فيه صلاة الجماعة حتى لا يتكرر خروجه لكل وقت مما يُنَافي الاعتكاف.

ولا يخرج المعتكف إلا لما بُدَّ لَهُ منه، ولا يعود مريضاً ولا يشهد جنازة، ويحرم عليه مباشرة زوجته، ويستحب اشتغاله بالقربات واجتناب ما لا يعنيه . وله أن يتحدث مع من يَزُوره وله أن يتنظف ويتطيب ويخرج لقضاء حاجة وطهارة وأكل وشرب إذا لم يجد من يأتيه بهما.

وأما المرأة فالأفضل في حَقِّها البَقَاء في بيتها والقيام بخدمة زوجها وولدها ولا يشغلها ذلك عن عبادة ربها ؛ ولأن خروجها مظنة الفتنة بها وفي انفرادها ما يعرضها للفَسَقَة وأهل الفساد ولكن إن أَمِنت هذه المفاسد وكانت كبيرة السِّن وكان المسجد قريباً من أهلها ومحارمها جاز لها الاعتكاف فيه، وعلى ذلك يحمل اعتكاف زوجات النبي صلى الله عليه وسلم بعده، لقربهن من المسجد وبالجملة لا يَصِحُّ اعتكافها في مَسْجد بَيْتها وهو مُصَلاها فيه، ويَصِحُّ في كل مسجد ولو لم يكن فيه جماعة مستمرة، ويُكْره خُرُوجها وانفرادها مُحَافظَةً عَلَى نَفْسها . والله أعلم. 

4-     وسئل فضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن بن جبرين : هل يجوز الاعتكاف بلا صوم ؟

فأجاب: الصحيح أنه يجوز الاعتكاف بلا صوم ودليل ذلك أن عمر رضي الله عنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إنِّي نّذَرْتُ في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام قال صلى الله عليه وسلم : "أَوْفِ بِنّذْرِك"، والليلة ليست مَحَلاً للصوم فدل ذلك على أنه يجوز الاعتكاف بدون الصيام، ولكن يتأكد الصيام لمن اعتكف نهاراً خروجاً من الخلاف ؛ لأن بعض العلماء قال لا اعتكاف إلا بصوم ؛ ولأن الذين قالوا بجواز الاعتكاف بلا صوم قالوا إن الأفضل الاعتكاف مع الصيام. 

( من كتاب فتاوى رمضان)

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه، والحمد لله رب العالمين.

[1] سورة البقرة : 125.

 [2] رواه البخاري.

 [3] متفق عليه.

 [4] متفق عليه.

 

الشيخ: 
عبد العزيز بن عبد الله بن باز

اضف تعليق جديد

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.