كلمة رمضان للشيخ صالح بن فوزان الفوزان

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين .

هذا الشهر لاشك أنه شهرٌ للأعمال الصالحة ، والله سبحانه وتعالى جعل السنة كلها وكل عمر الإنسان المسلم كله وقتٌ للأعمال ، ولكن في هذا الشهر مزية وخاصية من بين سائر الشهور، فالمسلم يُقبل على ربه في هذا الشهر أكثر من غيره ، وذلك والله أعلم لأمرين ، الأمر الأول : أن عمل المسلم قليل ، وعمره قصير، والله جعل هذه المواسم المباركة تمر على المسلم في السنة أو في الأسبوع أو في اليوم جعلها مواسم يتزود فيها من الخير ليستدرك النقص الذي عنده ، والأمر الثاني : أن هذا الشهر بمثابة التدريب ، التدريب على الأعمال الصالحة من أجل ليستمر عليها بعد رمضان ، فهو شهٌر يتدرب فيه المسلم على الأعمال الصالحة ليستمر عليها بعد رمضان فيكون شهر رمضان منطلقاً له إلى الخير ومنبهاً له بعد غفلته ، فهو شهرٌ عظيم كما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم ، شهر عظيم ومبارك ، يبارك الله فيه الأعمال ويضاعفها أضعافاً لا يعلمها إلا هو بحسب نية العبد ومقصده وإخلاصه لله عز وجل ، فالمفروض والمطلوب من المسلم أن يخصّ هذا الشهر بمزيدٍ من الأعمال الصالحة من فرائض وهذه لا بد منها كالصلوات الخمس وكذلك الصيام هذا فرض على المسلم وركن من أركان الإسلام ، وكذلك التطوعات وأبوابها كثيرة ، فلا يقتصر المسلم على الفرائض وإن كانت الفرائض فيها خير ولكن يزوِّد معها من النوافل ، فالنوافل ميدان واسع على حسب رغبة العبد و مقدرته ، أما الفرائض فلا بد منها ، والفرائض لا تسقط بحال ولكن يؤديها على حسب حاله (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا) [البقرة:286] ، أما النوافل ففيها سعة ولكن فيها خير كثير، في الحديث الصحيح أن الله جل وعلا قال : "وما تقرب إلي عبدي بشيء أحبَ إليّ مما افترضتُه عليه" ، فأحب التقرب إلى الله أداء الفرائض ثم قال سبحانه : "ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه" فالنوافل تُكسب العبد قربة من الله و محبةً من الله له  بسبب النوافل ، هذا ترغيب في النوافل ، لأن بعض الناس أو كثيراً من الناس الكسالى إذا سمع أن هذا نافلة أو هذا سنة أو مستحب فإنه يتكاسل ويقول ما دام غنه ليس فريضة فهو أمر سهل ولا يدري أن هذه النافلة فيها فضل عظيم وهو بحاجة إليها وهي ميسرة له وليس فيها صعوبة عليه لكن لمّا سمع إنها نافلة زهِد فيها وتكاسل عنها ، وهذا التكاسل يجرِّيه على التكاسل عن الفرائض إذا عوَّد نفسه على التكاسل عن النوافل فإنه يتكاسل عن الفرائض أيضاً ، فليتنبه المسلم  لهذا هذا ناحية ، الناحية الثانية أنك لا تأتي بالفرائض تامة لا بد يكون فيه نقص ، لا بد يكون فيها نقص ، لا تأتي بها كاملة ، فإذا كان لك نوافل فإن النقص الذي في الفريضة يُجبر من النافلة كما في الحديث ، فأنت بحاجةٍ إلى النوافل  فكيف تزهد فيها وأنت بحاجة إليها وعندك نقص في الفرائض فلا تترك النوافل زهداً فيها لأنك سمعت إنها نافلة فتساهلت فيها ولا تدري ما لهذه النافلة من الفضل وما أنت بحاجة إليه ، فعلى المسلم أن ينشط  في الطاعات ، ويعوِّد نفسه ، يعوِّد نفسه على الطاعات ولا يعطيها الفرصة للكسل والتثاقل ، النفس مثل الدابة إذا عوّدتها اعتادت ، إذا عوّدتها  اعتادت ، وإذا تركتها نفرت ولم تستطع السيطرة عليها ، فالنفس مثل الدابة التي تسير عليها ، عليك أن تضبطها وأن تعوِّدها على الطاعة ، لاشك أن النفس في أول الأمر تستثقل الطاعة وتكسل عنها فتحتاج إلى مجاهدة وإلى صبر لكنها بعد ذلك تتعوّد الطاعة وتألفها وتتلذذ بها ، ولهذا كان السلف يكابدون قيام الليل في أول الأمر، يكابدونه ، لأنه ما في شك إن الإنسان إذا كان نائماً في الليل ومستدفئاً في الشتاء وفي النهار هو في تعب ويحتاج إلى نوم الليل ومع هذا يحزم على نفسه ويقوم من الليل ويصلي أول شيء يشق عليه هذا لكن بالتكرار والمران يسهل عليه وفي النهاية تطالبه نفسه بالطاعة وتتلذذ لها ، لأن الطاعة لها لذة ، لها لذة عظيمة إذا تعودها الإنسان و ألِفها ، على كل حال الإنسان لا يطاوع نفسه ، لا يطاوع نفسه ، بل عليه أن يعوّدها ويُروضها على الطاعة ، فإذا عوّدها سهلت عليه بعد ذلك ، وإذا تركها صعُب عليه استرجاعها يصعب عليه جداً وقد تتغلب عليه نفسه لأنه عوّدها على الكسل وحب الراحة وقد تتغلب عليه في النهاية ، والنفس تحتاج إلى مجاهدة ، أول الجهاد جهاد النفس تحتاج إلى مجاهدة ، أما إذا أعطيتها ما تشتهي نفرت بك و تغلبت عليك وثقُلت عليك العبادات ، أما إذا أخذت بزمامها وعوّدتها فإنها تلين معك وتنقاد وبالتالي تتلذذ بالعبادة ، ولهذا قال جل وعلا : (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا* فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا* قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) [الشمس:7-10] ، قد أفلح من زكّاها بالطاعة وعوّدها على العبادة ، وخاب من دسّاها في التراب ودسّها في التراب وأهانها في الرغام هذا خاب وإن كان يزعم أنه أعطى نفسه ما تشتهي لكنه في الحقيقة قد أهانها وأما لو أنه أخذ بزمامها إلى الطاعة فإنه يكون قد أكرمها وإن كان يظهر أنه أهانها وحرمها من الشهوات والحرية لكنه في الحقيقة أكرمها ورفعها وعرف لها قدرها ، فهذا شأن عظيم ينبغي للمسلم أن يعرفه مع نفسه وأن يدرك فضل هذا الشهر وغيره من الفضائل ولا تضيع عليه فيخسر عمرهُ وتضيع عليه هذه المواسم ، أنتم سمعتم قوله تعالى ، أن الله يقول لأهل الجنة (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ) [الحاقة:24] ، أي بسبب ما قدمتم في الأيام الماضية من الطاعات في الدنيا ، يقول لهم الآن في الآخرة كلوا واشربوا هنيئاً ، هنيئاً بما أسلفتم ، إذاً اللي ما أسلف شيء لا يقال له كلوا واشربوا هنيئاً ، بل يقال له كل واشرب من جهنم ، من الزقوم ، من الحميم ، فعلى المسلم أن يتذكر هذا .

وفق الله الجميع لما يحب ويرضى ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين .

الشيخ: 
صالح بن فوزان الفوزان