أحكام زكاة الفطر

الحمد لله، إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونتوبُ إليه، ونعوذُ به من شرورِ أنفسِنا؛ ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، من يهدِه اللهُ؛ فلا مُضِلَّ له، ومن يضلل؛ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه صلَّى اللهُ عليه، وعلى آلهِ، وصحبِهِ وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدين.

أمَّا بعدُ:                                                                                       

فيا أيُّها الناسُ، اتَّقوا اللهَ تعالى حَقَّ التقوى.

عبادَ الله، من حكمة الرب جل وعلا تفاوت الخلق في أرزاقهم وفي أخلاقهم فالله قسم بين الناس أخلاقهم كما قسم بينهم أرزاقهم فتفاوتهم في الأخلاق قلة وكثرة وحسنًا وسوء وتفاوتهم في الأموال غنى وفقر وما بين ذلك كله لحكمة عظيمة وغاية نبيلة قال جل وعلا: (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)، فاللذين لا يعلمون تخفى عليم تلك الحكم العظيمة والذين يعلمون حقا أن ما يقضي الله من قضاء فهو دال على كمال حكمة الرب        وكمال رحمته وكمال عدله وكمال علمه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون والله جل وعلا امتن بالمال على من شاء من عباده ابتلاء وامتحان ليظهر من كان صادق مؤديا لحق المال مما كان جاحدًا لنعم الله بخيلا بالحق الواجب عليه وابتلى الفقير بالفقر ليظهر أهو صادق وراض بقضاء الله أو متسخط وغير راض.

أيها المسلم، وأخبرنا ربنا أن حب المال غريزة في النفوس متأصل فينا قال جل وعلا: (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ)، وقال: (وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً)، ولكنه جل وعلا حذر أهل الأموال من الاغترار بالأموال والانخداع بها والاشتغال بها عن ذكره فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ)، وذم من ظن أن المال سبب للرضا بمجرده فقال: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ* نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ)، وأخبرنا جل وعلا أن أموالنا وأولادنا لمجردها لا تقربنا إلى الله زلفى إنما يقربنا إلى الله أعمالنا الصالحة وتقوانا لله (وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ).

أيها المسلم، ومالك في هذه الدنيا وديعة وعارية عندك فإن اتقيت الله فيها وجدت أعمالًا صالحة تنتظرك يوم معادك وإن أسأت فيها وانتفع بها غيرك وجدت أعمالًا سيئة يخف بها ميزانك يوم القيامة النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقول ابن آدم مالي مالي وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأبقيت وما سوى ذلك فتاركه للورثة"، وسأل النبي صلى الله عليه وسلم يومًا أصحابه "أيكم مال وارثه أحب من ماله"، قالوا: كلنا مالنا أحب لنا من مال وارثنا قال: "إن مالك ما صدقت به ومال وارثك ما خلفت".

أيها المسلم، يا من منِّ الله عليه بنعمة الغناء وأعطاه من فضله وكرمه وجوده اشكر الله قبل كل شأن نعمته واحمد الله على هذا الفضل العظيم في الحديث "إن الله يرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها"، فأحمد الله على هذه النعم وقل (هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ)، كم من أعطي مال فصال المال سببا لهلاكه وسبب لخسارة دينه ودنياه قال تعالى عن قارون: (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ* وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)، قال لهم: (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي)، فنسب الخير والفضل إلى مجرد علمه وتجاهل أن الفضل كله بيد الله، الله الذي أعطاه وتفضل عليه فعاقبته (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنْ المُنْتَصِرِينَ)، وربنا يقول: (كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى* أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى* إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى)، (كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى* أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى)، فإذا استغنى بالمال أو بالجاه استغنى طغى وتكبر على الآخرين واحتقر الآخرين وظن أنه المخلد في الدنيا وأنه ولا يدري المسكين متى ينزل به الأجل ومتى ينقل به من بيته إلى قبره.

أيها المسلم، وإن التخلص من فتنة الأموال إنما يكون بشكر الله قبل كل شيء عليها ثم بأداء الحق الواجب في هذه لله بالزكاة أو الحقوق الواجبة فيها كالنفقات الواجبة على الزوجة والأبوين والأولاد.

أيها المسلم، وربنا جل وعلا من حكمته وفضله ورحمته وإحسانه بنا أن افترض الزكاة على أغنيائنا وجعل الزكاة أجد أركان الإسلام جعلها الركن الثالث من أركان الإسلام (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)، وآيات في كتاب الله ترغب بالزكاة وتقربها بالصلاة في أكثر من ثمانين آية في كتاب الله والوعيد في كتاب الله على مانع الزكاة في آيات من كتاب الله (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، شجاع أقرع يأخذ بلثمتيه يقول أنا كنزك أنا مالك والله يقول: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ* يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ).

أيها المسلم، إن الزكاة لم تفرض للإضرار بك ولكن فرضت لمصلحتك ولمنفعتك أيها الغني ثم لمنفعة إخوانك الفقراء إنها لك منفعة ومصلحة لك لو فكرت وتدبرت عدو الله إبليس يثقلها في نفسك ويعظمها في نفسك ويقول مالك جمعته بجهدك وعملك تهدره لفلان وفلان (انُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)، إن الله جل وعلا يقول لنا في كتابه العزيز آمر محمد صلى الله عليه وسلم: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)، (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً)، فهي صدقة زكاة صدقة مفروضة زكاة مفروضة المعنى واحد (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ)، إنها تطهر تطهر ذات المزكي فتطهر قلبه من خلق الشح والبخل وعدم الشكر وتجعله قلبًا طاهرًا شاكر لنعم الله مثنيًا على الله مؤديا الحق الواجب وإنها لتطهر هذا المال فتذهب عنه أوساخه و أدناسه مال لم يزكى مجتمع الأوساخ والنجاسات مال مزكى مال طاهر نقي يزكيهم بها تزكي بها نفوسهم وتنمي بها أموالهم فأموالهم وإن نقص العدد لكن المآل البركة والخير وما نقص صدقة من مال.

أيها المسلم، هي ركن من أركان الإسلام هي الركن الثاني من أركان الإسلام تؤديها أداء للركن خوفا من الله وطمعا في فضل الله تؤديها شكر لله على نعمته تؤديها رحمة بالفقراء وعطفًا عليه والإحسان إليهم تؤديها ليكن التكافل الاجتماعي بين الناس فتزول آثار الحق والبغضاء بين الناس وتحل المودة والرحمة بين الفقراء والأغنياء تؤديها لتقلص الجرائم وتشغل الفقير عن الجرائم والأمور الدنيئة فيغتني بها ويستعين بها على طاعة ربه تؤديها قياما بالواجب وطمعا في وعد الله للمنفقين (وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ).

أيها المسلم، إن الزكاة لم تأت بإجحاف الأموال والقضاء عليها لكنها جاءت بنسبة ضئيلة صغيرة بالنسبة إلى الأموال الكثيرة، أوجبها الله في أصناف من الأموال فأوجبها في الخارج من الأرض من الحبوب والثمار (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الأَرْضِ)، أوجبها النبي صلى الله عليه وسلم في الحبوب والثمار إذا بلغت خمسة أوسق ثلاثمائة صاع بالصاع النبوي تسعمائة كيلو بالوزن الحديث، أوجبها في الحبوب والثمار العشر إن سقيت بلا مؤونة ولا كلفة ونصف العشر إن سقيت بالكلفة وجلب لها الماء، لم يوجبها بالخضراوات لأنها ليست مدخرة وإنما أوجبها في الحبوب والثمار الملكية المدخرة، أوجبها في بهيمة الأنعام من الإبل والبقر والغنم إذا كانت سائمة ترعى بنفسها وترد الماء بنفسها، وبلغت نصاب الإبل خمس فيها الشاة ثلاثون من البقر فيها واحد أربعون من الغنم فيها شاة واحدة، إذا كانت ترعى بنفسها وترد الماء بنفسها أما الإبل والغنم المعلوفة المسقية التي لا يريد صاحبها بيعها وإنما يريد ذرها والزينة فيها والتلذذ برؤيتها لكنه لم يجعلها لأجل البيع والشراء والاتجار بها فهذه لا زكاة عليها إذا كان يعلفها ويسقيها معظم الحول ولم يكن للتجارة أما إن أعدها للبيع والشراء فإنه يقومها زكاة عروض ويخرج منها ربع عشر قيمتها أوجبها الله في النقدين الذهب والفضة أصول أموال الناس أوجبها الله في النقدين والنقدان الذهب والفضة وكذلك ما عادل الذهب والفضة وساوى قيمتها من الأوراق النقدية المتعامل بها لأنها حلت محل النقدين من حيث التعامل وثمن الأموال إلى غير ذلك فنصاب الفضة في الإسلام مائتي درهم إسلامي قدره العلماء بست وخمسين ريال فضيًا سعودي أو ما يعادله من الأوراق النقدية على حسب سعرها اليومي وأوجبها في الذهب إذا بلغ عشرين مثقالا ما يساوي إحدى عشر جنيهًا ونصف أي اثنين وتسعين غرامًا من الذهب فأوجب فيهما ربع العشر اثنان ونصف بالمئة خمسًا وعشرين في الألف وهكذا، أوجبها الله أيضًا في عروض التجارة وهي الأموال التي تعرض للبيع على اختلاف السلع ملابس أو مواد غذائية أو أواني أو مواد بناء كل ما أعد للبيع فيه فإنه يجب على أحد الأموال أن يقوموا موجوداتهم كل عام إضافة إلى الأرصدة الموجودة عندهم ثم يزكون تلك الأموال ربع العشر اثنين ونصف في المئة أما ما عند الإنسان من قني من سيارات أو أواني أو فرش ليس للاتجار فيها فتلك لا زكاة عليها لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس على المؤمن في عبده ولا فرسه صدقة"، حلي النساء المعد للاستعمال واللبس لا زكاة عليه لأنه ليس ناميًا ولكنه في حكم ما ينتفع به من الأثاث والأواني المنزلية.

أيها المسلم، والزكاة تؤدى لأصناف معينين بينه الله في كتابه العزيز(إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)، هؤلاء أصناف الزكاة إذًا لا يبنى بالزكاة مسجد ولا يطبع بها كتب ولا تشيد بها مقابر ولا تصلح بها طرق وإنما تخص بالأصناف الذين بينهم الله في كتابه العزيز لأنه إسعاف يومي وقضاء لحاجة يومية ليست للأمور الأخرى فيعطى الفقير والمسكين قدر ما يكفيهم لقوت عامهم يعطى الفقير والمسكين ما يعينه على نفقة عامه فيعطى من الزكاة ويعان الشاب الذي يريد الزواج على زواجه لأن هذا مصلحة عظيمة فالفقير والمسكين الذي لا يجد نقودًا حاضره ولا رواتب ثابتة ولا صناعة قائمة ولا غلال كافية هذا يعطى ما يعينه لكن إن كان قادرًا على الاكتساب مستطيع الحركة وطلب الرزق فإنه لا يحل له أن يأخذ منها جاء رجلان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلب فيهما النظر فرأهما جلدين فقال: "إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب"، ويعطى العاملون عليها يعطى العاملون الذين يبعثهم إمام الأمة ليقبضوا الزكاة من أهلها أما الذين يجمعون الزكاة من الناس فإنهم لا يأخذون على عملهم شيء لأن الواجب على صاحب الزكاة أن يؤديها بنفسه وإن عجز وكلف غيره أنفق من ماله ما يسبب إلى إيصال الزكاة لأربابها أما الذين يتوكلون على الناس في قصد الزكوات ثم يقتصون لأنفسهم منها ويقولون نحن عاملون لا لست بعامل إنما أنت تريد أن تكون وكيلًا بأجرة فالأجرة خارجة عن الزكاة ولا يجوز أن تقتطع شيئا من الزكاة ويعطى المؤلف قلوبهم مما يرجى إسلامه وتقوية إيمانه وكف شره عن الأمة فإن ذلك جائز لأن هؤلاء إذا اعطوا كفى شرهم عن الناس، ويفك منها الرقاب الأسرى من المسلمين يفك من الزكاة ويعطى الغارمون الذين تحملوا الديون إما لمصالح أنفسهم لنفقاتهم الخاصة ما لم نعلم أنهم لا يبالون بالأمور فإن بعضهم يستدين لأمور تافهة ويستدين تلاعب بأموال الناس واستخفاف بها هؤلاء لا يعابون على بطرهم إنما يعاب من استدان لمصلحة نفسه وحاجة عياله وحلت به الأمور فإنه يعطى من الزكاة ما يعينه على قضاء دينه والمصلحون بين الناس والجامع المؤلف القلوب يعطون ما أنفقوا على سعيهم ولو كانوا أغنياء لأن هذا لمصلحة العامة ويعطى المجاهدون في سبيل الله مما يدافعون عن أوطان المسلمون ويعطى ابن السبيل المنقطع الذي لا يستطيع الوصول إلى بلده ما يعينه على ذلك.

أيها المسلم، الزكاة غنم ليست غرم الزكاة إخراجها نعمة من الله وفضل.

أيها المسلم، هذه الزكاة احرص على كتمانها إن استطعت لأن البعض من الفقراء قد يجرحهم إذا أعطيتهم أمام الناس أو قلت له هذه زكاة إذا علمت فقره وحاجته فادفعها إليه ولو لم تقل أنها زكاة إن يكن لك إخوان أو أخوات أو أعمام أو عمات أو أخوال أو خالات فقراء فخصهم بزكاتك فإن النبي يقول: "صدقتك على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان صدقة وصلة".

أيها المسلم، أدي الزكاة بنفس مطمئنة فرحًا بذلك شاكرًا لله نعمته.

أيها المسلم، إذا كان في ذمة الآخرين ديون فلا تسقطها عن الزكاة لأنها لم تقبضها ولم تعطهم شيئا منها فلا يجوز أن تحتسب الدين الذي في ذمم الآخرين من الزكاة.

أيها المسلم، الذي يدين الناس ويتحاملوا معهم في التقصير في السيارات أو في العقارات يجب أن يزكي كل سنة ما في ذمم الناس له لأنه أعطاهم برهون وثق ذلك في أمور فأمواله في الغالب متواجدة فيزكي ما في ذمم الناس له من قيم السيارات أو العقارات الذين يتاجرون بالعقار يبيعون ويشترون ويعمرون ويبيعون ثم يشتروا بها عقار وقالوا لا زكاة علينا هذا تحيل يجب على المسلم أن يقوم ما موجوداته الموجودة عنده وما في ذمم الناس له فيؤدي زكاتها كاملة، العقار المؤجر لا يزكى إلا إذا مضى على الأجرة سنة بعد قبضك إياها مزكيها أما من قبض أجرة العقار وانتفع به فإنه لا زكاة عليه.

أيها المسلم، خص به المتعففين ومن لا يسألون الناس إلحافا لا يجوز للمسلم أن يجامل بها ولا أن يتقرب للناس ولكن يؤديها حق لله فهي أمانة عنده والله سائله عنها يوم القيامة أسأل الله أن يوفقني وإياكم لصالح القول والعمل إنه على كل شيء قدير.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

الحمدُ لله، حمدًا كثيرًا، طيِّبًا مباركًا فيه، كما يُحِبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهدُ ألا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمَّدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى اللهُ عليه، وعلى آله وصحبِه، وسلّمَ تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدينِ، أما بعدُ:

 فيا أيُّها الناسُ، اتَّقوا اللهَ تعالى حقَّ التقوى.

أخي المسلم، لا يحل لك أن تأخذ من زكاة الناس وأنت غني عنها فإنك إن أخذتها وأنت غني عنها فإن ذلك سحت تأكله سحت ونار تتأجج في بطنك يقول صلى الله عليه وسلم: "لا تزال المسألة بأحدهم حتى يلقى الله وليس في وجهه مُزعة لحم"، ويقول: "من سأل الناس تكثرا فإنما يسأل جمر فليستقل أو ليستكثر"، ويقول: "المسألة كدوح أو خدوش في وجه أحدكم"، ويقول: "من فتح على نفسه باب مسألة فتح الله على قلبه باب فقر".

أيها المسلم، لا تأخذ الزكاة إلا وأنت مستحق لها خذ منها ما يكفي ولا تفرح أن الناس يأتونك زكاة أموالهم لأنك إذا قضوتها وأنت غير مستحق لها كنت آثما.

أيها المسلم، إياك أن تظهر للناس أنك مصاب بعاهات وأمراض وديون والله يعلم كذبك فإنه لا يحل لك قال قبيص أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أسأله فقال: "أقم يا قبيص عندنا حتى تأتي صدقة فنأمر لك منها" ثم قال: "يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجى من قومه لقد أصابت فلاناً فاقة ، فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش وما سوى ذلك يا قبيصة فسحت يأكله صاحبه سحت"، قال حكيم بن حزام أتيت النبي يسأله فأعطاني ثم أعطاني ثم أعطاني ثم قال يا حكيم إن هذا المال حلو خضر فمن أخذه بحقه بورك له فيه ومن أخذه بغير حقه لم يبارك له فيه وكان كمن يأكل ولا يشبع واليد العيا خير من اليد السفلى قال حكيم فقلت يا رسول الله أبايعك أني لا أسأل شيئا فكان حكيم لا يسأل أحد جاءه عمر ليعطيه فقال لا حاجة لي فيه فقال عمر أشهدكم على حكيم أنه رفض كل ذلك وأغنى الله حكيم بما أغناه به.

أيها المسلم، إن الضمان الاجتماعي معظمه من زكاة العروض مع ما يضاف إليه من إعانة الدولة وفقها الله فلا يجوز لرجل ولا لامرأة أن يأخذوا من الضمان وهم قادرون على الاكتساب بعضهم يقول نأخذ الضمان ننتفع به ونتصدق به ونضحي منه كل هذا خطأ الضمان لفئة معينة من كان غنيًا عنه فليتعفف منه ولا يجوز لأحد أن يستمر بالقبض من الضمان والله قد أغناه بنفسه أو بأولاده وأيسر له من الأمور فإن هذه حقوق للفقراء لا يجوز له أن ينافسهم الأغنياء فيها تأكد من الزكاة ولا تخدعنك تلك الصكوك الذي يحملها الكثير من الناس فيها من المغالطات لو تأملتها الأكاذيب والتوقيعات غير السليمة لا تغتر بها نقحها وأنظرها نظرة تأمل وإن شككت فسل من أسبرها حتى تكون على علم ويقين أن هذا السائل مستحق لها نسأل الله أن يعيننا وإياكم على القيام بما أوجب علينا وأن يتقبل من الأغنياء صدقاتهم وأن يغني فقراء المسلمين وأن يمن على الجميع بالتوفيق والهداية.

أخواني، إخوانكم في باكستان تعرضوا لكوارث عظيمة ولله الحكمة في ذلك فيضانات هائلة دمرت الاقتصاد ودمرت الصناعة شردت المواطنين وملايين البشر بلا مأوى بلا غذاء الدولة وفقها الله بذلت جهودًا كبيرة وألقت بكل جهدها في سبيل ذلك من إقامة مستشفيات والمساعدات العاجلة ووسائل إنقاذ إلى غير ذلك من أمور سبقت بها العالم كله فهذا ليس غريبًا من هذه الدولة ولا من قائدها وولي عهده والنائب الثاني فهم حريصون على الخير ومساعدة المسلمين لكن على المسلمين جميعًا أن يجودوا بما يسر الله وكل بما أعانه الله ليسعى بهذا الشعب المسلم ولتخليصه من هذه الكوارث الذي ابتلي بها ولله الحكمة فيما قضى وقدر    نسأل الله للجميع التوفيق والسداد والمؤمنون رحماء بينهم (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)، رحماء بينهم، "مثلهم في تعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر".

واعلموا رحمكم اللهُ أنّ أحسنَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ صلى اللهُ عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ بدعة ضلالةٌ، وعليكم بجماعةِ المسلمين، فإنّ يدَ اللهِ على الجماعةِ؛ ومن شذَّ شذَّ في النار، وصَلُّوا رَحِمَكُم اللهُ على عبدالله ورسوله محمد، كما أمركم بذلك ربُّكم، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).

اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّم، وبارِك على عبدِك ورسولِك محمدٍ، وارضَ اللَّهُمَّ عن خُلفائِه الراشدين الأئمةِ المَهدِيِّين، أبي بكر، وعمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وعَن سائرِ أصحابِ نبيِّك أجمعين، وعن التابِعين، وتابِعيهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وعنَّا معهم بعفوِك، وكرمِك، وجودِك، وإحسانِكَ، يا أرحمَ الراحمين.

اللهم أعِزَّ الإسلامَ والمسلمين، وأذِلَّ الشركَ والمُشرِكين، ودمِّرْ أعداءَ الدين، وانصُرْ عبادَك المُوَحِّدين، واجعلِ اللَّهُمَّ هذا البلدَ آمنًا مُطمئِنًا، وسائرَ بلاد المسلمين، يا ربَّ العالمين، اللَّهمَّ آمِنَّا في أوطانِنا، وأصلحْ أئمتََََّنا ووُلاةَ أمرِنا، اللهمَّ وفِّقْهُم لما فيه صلاح الإسلامِ والمُسلمين، اللَّهمّ وفِّقْ إمامَنا إمامَ المسلمينَ عبدَ الله بنَ عبدِ العزيزِ لكلِّ خير، اللهم أمده بعونك وتوفيقك وتأييدك، و كن له عونًا ونصيرًا في ما أهمه، اللهم وبارك له في عمره وعمله و اِجمَعْ به كلمةَ الأُمَّةِ ووحد به صفوفها على الخير والتقوى ، و شد عضده بولي عهده سلطان بن عبدالعزيز وبارك له في عمره وعمله وألبسه الصحة والسلامة والعافية، ووفق النائب الثاني بكل خير واجعلهم جميعًا أئمة هدى ودعاة خير إنك على كل شيء قدير إنك على كل شيء قدير (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)، (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، ربَّنا آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذابَ النار.

عبادَ الله، (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، فاذكروا اللهَ العظيمَ الجليلَ يذكُرْكم، واشكُروه على عُمومِ نعمِه يزِدْكم، ولذِكْرُ اللهِ أكبرُ، واللهُ يعلمُ ما تصنعون.

الشيخ: 
عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ