فضل صيام عاشوراء

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا؛ ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له؛ ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه، وعلى آله، وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

أما بعد:

فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.

عباد الله، بعث الله الرسل عبر القرون والسنين مبشرين ومنذرين ليهدوا العباد إلى صراط الله المستقيم جاء أولئك الرسل بالحق وبالعدل والصلاح والهدى والرشاد دعوتهم أصلها واحد توحيد الله وإخلاص الدين له (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ)، لكل نبي شريعة تخصه وقومه يقول صلى الله عليه وسلم: "الأنبياء أخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد"، لقد عانى الرسل من أقوامهم الصنوف من التكذيب والإعراض والإنكار ولكنهم ثبتوا وصبروا فهم أهل الصبر والوفاء والثبات.

أيها المسلم، نوح عليه السلام أول رسل الله بعثه الله لقومه يدعوهم إلى عبادة الله وإخلاص الدين له وترك ما كانوا عليه من عبادة الأصنام والأوثان (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)، فقابلوه بالتكذيب (قَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ* قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ* أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ)، فلما طال مقامه عندهم ألف سنة إلا خمسين عاما قابلوه بالتكذيب وما آمن معه إلا قليل فأنجاه الله منهم وأغرقهم (فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً عَمِينَ)، هود عليه السلام دعا قومه عاد إلى توحيد الله وإخلاص الدين له (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ)، ولكنهم كذبوه وسخروا به (قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنْ الْكَاذِبِينَ)، قال الله: (فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ)، وصالح عليه السلام دعا قومه لعبادة الله وجاءهم بالمعجزة التي أعطاه الله إياها فقال: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، فأخبر أن المستكبر من قومه كفروا بما جاء به صالح عليه السلام (فَأَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ)، وإبراهيم عليه السلام دعا أباه وقومه لتوحيد الله وإخلاص الدين له (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)، وحاجه قومه فحاجهم وأقام البرهان الصادق على توحيد الله وفساد الشرك والضلال فلما لم يجد سبيلا كادوا له المكائد وقالوا: (حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ* قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ* وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمْ الأَخْسَرِينَ)، وهذا لوط عليه السلام يدعوا قومه لعبادة الله ويحذرهم من تلك الجريمة الشنعاء (وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ* أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ)، فتنكروا دعوته وسخروه منه وقالوا: (أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ* فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنْ الْغَابِرِينَ* وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ)، وهذا يوسف عليه السلام اصطفاه الله من بين أخوته ليكون نبياً رسولا وأراه الرؤيا التي لأجلها حسده أخوته وأرادوا أن يغيبوه عن وجه أبيهم ليخلوا لهم وجه أبيهم فألقوا في البئر ولكن الله نجاه برحمته وملكه مصر وحقق رؤياه فخر أبويه سجدا طاعة لله وإكراماً له عليه السلام وهذا داوود عليه السلام نصره الله على عدوه جالوت قال تعالى: (وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ* فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ)، وهذا عيسى عليه السلام آخر أنبياء بني إسرائيل بعثه الله بالتوحيد الخالص وأعطاه من الآيات من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى والإخبار بالمغيبات ولكن خذله قومه وأرادوا قتله فشبه عليهم ورفعه الله إليه (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ)، (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ).

أيها الأخوة، وتعاقب وتوالت مواكب الدعوة إلى الله من قبل الرسل في تاريخ البشرية فما حقبة من حقب الدهر إلا ورسول يدعوا إلى الله بشريعة خاصة بقومه إلى آن انتهى دور الجميع إلى محمد صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم إمام الأنبياء وأشرفهم وأفضلهم الذي بعثه الله برسالة عامة لجميع الخلق أجمعين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً)، ومن أولئك الرسل الذين بعثهم الله لأقوامهم موسى بن عمران كليم الرحمن بعثه الله إلى أكبر طاغية في الأرض إلى فرعون الذي تكبر وتجبر وادعى أنه الرب الأعلى والذي تسلط على بني إسرائيل فقتل النساء والأطفال وسعى في الأرض فسادا واستولى على قومه وأرعبهم وصار لهم شأن واستعان بالسحرة في كل أحواله بعث الله له موسى عليه السلام يدعوا إلى الله وإلى إخلاص الدين لله وأن يخلص بني إسرائيل مما هم فيه من الظلم والطغيان والقهر والاستبداد بعثه الله عليه السلام وأعطاه الله آيتين عظيمتين العصا واليد عصاه التي يحملها ويهش بها على غنمه هذه العصا التي تنقلب حية تلتقف كل ما أمامها هذه اليد التي هي من أجزاء بدنه انقلبت يد بيضاء تحاكي الشمس في ضوئها آيتان عظيمتان دالتان على صدق موسى عليه السلام دعا فرعون إلى الله وأقام الحج والبراهين على فساد رأي فرعون وما هو عليه من الضلال بعثه الله في قوم قد علا السحر والشعوذة في ذلك الزمان وأصبح السحرة والمشعوذين مكان وشوكة وقوة يهابهم الناس ويرهبونهم مما تسلطوا عليه من السحر وشعوذتهم ولكن هذا الباطل سرعان ما اضمحل أمام الحق لقد دعا موسى عليه السلام فرعون إلى الله وإلى توحيده وإخلاص الدين له لكنه تكبر وتجبر وسخر بموسى عليه السلام فقال: (إِنَّ رَسُولَكُمْ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ)، ووصفه بالسحر بقوله: (قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى)، طال المقام بين فرعون وبين موسى عليه السلام فلما ضايقهم فرعون ضايق موسى وقومه وأذاقهم من صنوف العذاب ما أذاقهم ولكن موسى صابراً محتسبا يرجوا نصر الله وفضله وتأييده ففرعون الطاغية لما تجبر ورأى أن دعوة موسى قد طغت في بني إسرائيل ورأى أنها دعوة حق وأنها دعوة حق وهدى وهو لا يريد ذلك وأراد أن يناظر موسى ودعا السحرة وأغراهم ووعدهم ومناهم فقالوا له: (أَئِنَّ لَنَا لأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ* قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ)، وعد موسى يوماً يخرج فيه موسى عليه السلام ويخرج فرعون وسحرته يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى أتى موسى عليه السلام والسحرة على قوة باطلهم ملؤا الأرض عصياً وحبالا (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى* فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى* قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى* وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى)، عصا ليست قوة نووية ولا سلاحاً فتاك ولكنها قوة إلهية قوة ربانية تلك العصا التي يحملها بيده التقمت ما في الوادي من عصي وحبال فرأى السحرة أن هذا أمر خارق للعادة وأن هذا أمر لا استطاعة لهم به وأن هذه قدرة ربانية فخروا لله سجدا (قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ* رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ)، (قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا* إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنْ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى)، فتهددهم وتوعدهم بالعقوبة ولكنهم سهلوا كل ذلك في سبيل الإيمان بالله لما رأوا أن سحرهم العظيم قد بطل بهذا العصا الذي يحملها هذا الرجل المؤمن علموا أنها قوة ربانية لا استطاعة لهم بدفعها ولا الوقوف أمامها فعند ذلك بدأ فرعون بمضايقة موسى وقومه وإنزال العذاب بهم فأمر الله موسى أن يخرج ليلا فخرج موسى وقومه وتبعه فرعون وقومه فأمر الله موسى أن يضرب البحر فأنفلق اثني عشر طريقا فسلكه موسى ومن معه آمنون ثم أتبعه فرعون فأطبق الله عليه البحر وأغرقه ومن معه (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً)، تلك سنة الله في الظالمين والمجرمين.

أيها المسلم، فعند ذلك صام موسى ذلك اليوم يوم العاشر من محرم شكر لله على إنجائه وقومه وإغراق فرعون وقومه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "نحن أحق وأولى بموسى منكم" فصامه وأمر بصيامه، نعم إن محمد صلى الله عليه وسلم أولى الناس بالأنبياء جميعا فإنه جاء مؤيداً لدعوتهم محققاً لما جاءه من الهدى والبينات نعم إن محمد أولى الناس بالأنبياء فهو مسبق لرسالاتهم ودعوتهم امتداد لدعوتهم نعم إن محمداً أولى الناس بالأنبياء (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ)، نعم إن محمداً أولى بموسى من بني إسرائيل الذين نكثوا عهوداً ومواثيق والذين تنكروا لنعمة الله عليهم لما فضلهم الله على العالمين وأعطاهم من الخير ما أعطاهم تنكروا لهذه النعمة وكفروا بشريعة أنبيائهم وحرفوا كتبهم وأذووا الأنبياء بل قتلوهم وسعوا في الأرض فسادا فنشروا الفواحش والفساد وكل رذيلة فإنها مصدرهم فإنهم من ذلك الزمان إلى آخر الزمان وهم وراء كل فتنة ووراء كل بلية ووراء كل مصيبة وهم سبب للفساد في الأرض في اقتصاد الأمة ودينها وأخلاقها وهم سبب لكل شر وصدق الله: (وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)، فهم أهل فساد وضلال ولذا توعدهم الله بقوله: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)، حلوا محل فرعون في الظلم والطغيان وتشريد الأبرياء وهدم منازلهم وقطع أشجارهم وبساتينهم وكل خير عنهم حلوا محل فرعون في نشر الفساد وسلطوا إعلامهم المنحرف بإفساد الأخلاق والعقيدة وإفساد كل نعمة تعيشها الأمة فهم بلاء على الأمة في كل أحوالها هم بلاء ومصبية في كل أحوالها هم وراء الفتن والمصائب والانهيارات الاقتصادية كل ذلك بأسباب أفكارهم السيئة وحقدهم الدفين على العالم لأن الله سلب منهم تلك النعمة لكفرهم وضلالهم ونقل هذه النعمة العظيمة إلى محمد صلى الله عليه وسلم من العرب من بني إسماعيل فغاظهم ذلك وكرهوا هذه النعمة الذي اختص الله بها العرب وهو أن بعث محمداً فيهم برسالة عامة إلى جميع الخلائق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين إن المسلم وهو يتدبر قصة موسى وموقفه من هذه الطاغية ليعلم أن الحق لا بد أن ينتصر وأن الباطل لابد له من ذل وهوان ولكن يحتاج إلى استعانة بالله وصبر وتضحية وثبات فالحق والباطل في صراع إلى قيام الساعة ابتلاء وامتحان لكن أهل الحق ثابتون على حقهم مستقيمون على طريقتهم وإن نالهم الأذى ما نالهم فالعاقبة للتقوى والله جل وعلا ناصر عباده المؤمنين (وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)، (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ)، ولكن لابد من صبر وثبات وتمسك بهذه الشريعة وعمل بها وقيام بها علماً وعملا ظاهراً وباطناً فالنصر لأولياء الله (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ* الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ)، أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأِشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.

 أما بعد:

 فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.

عباد الله، شهر الله المحرم شهر عظيم وهو أحد الأشهر الحرم التي قال الله فيها: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ)، بينها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان"، هذا الشهر العظيم عرفه المسلمون مبدأ التاريخ بينهم مبدأ التاريخ لأخبارهم وأحوالهم وذلك أن الصحابة رضي الله عنهم فكروا في تاريخ الأمة يعرضون فيها أمورا أحوال دنياهم تذكروا وتدبروا ونظروا فتوصلوا إلى أن محرم هو أول العام ومبدأ التاريخ وأرخوا بهجرة محمد صلى الله عليه وسلم رأوا أن الهجرة هي مبدأ التاريخ لأنها انتقال وتحول من حال إلى حال فالمسلمون بمكة كانوا في غل واختفاء فلما هاجروا إلى المدينة صار لهم شأن وأعلوا شعائر دينهم وأقاموا شعائر دينهم فصارت الهجرة أعظم حدث فرأوا الصحابة أن يجعلوا التاريخ منه ثم فكروا فرأوا أن المحرم الذي يعقب شهر الحج أنه استكمال لأركان الإسلام ويبدأ التاريخ من محرم فمن هنا بدأ تاريخ الأمة من محرم هجرة النبي صلى الله عليه وسلم هذا الشهر العظيم كما نعلم يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: "أفضل الصيام بعد الفريضة شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة قيام الليل"، هذا الشهر العظيم فيه اليوم العاشر وهو اليوم الذي أنجى الله فيه موسى وقومه وأغرق فيه فرعون وقومه قدم النبي المدينة وهم اليهود يصومون يوم العاشر فقال: "ما هذا؟" قالوا: يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه وأغرق فيه فرعون وقومه فقال: "نحن أحق وأولى منكم بموسى فصامه وأمر بصيامه"، فلما افترض رمضان جعله سنة من شاء صامه ومن لم يشأ لم يصم لكنه رغب في صيامه فقال: "صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة الماضية"، فالصوم يوم السبت التاسع ويوم الأحد العاشر فمن أحب أن يصوم غدا التاسع والأحد العاشر أو يصوم الأحد العاشر والاثنين الحادي عشر كل ذلك جائز ومن جمع الأيام الثلاثة صامها كلها فذاك حسن وفضل الله يؤتيه من يشاء، فصوموا رحمكم الله فصيام سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم تذكركم بتاريخ أنبياء الله ورسله ومواقفهم من الظلم والعدوان إن صيام هذا اليوم سنة مؤكدة أن نصوم اليوم العاشر ونسبقه باليوم التاسع أو نعقبه باليوم الحادي عشر فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما صام اليوم العاشر وفي آخر حياته قيل له إن اليهود تعظمه قال: "إن عشت إلى قابل لأصومن التاسع"، يعني مع العاشر ومات صلى الله عليه وسلم ولم يصم اليوم التاسع وقال لنا: "صوموا يوم قبله أو يوم بعده خالفوا اليهود هذه سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم فأحيوها لعلكم ترحمون وحافظوا عليها ففي المحافظة على السنن والعناية بها الخير الكثير جعلني الله وإياكم من المتبعين لمحمد صلى الله عليه وسلم السائرين على نهجه المتلقين لتشريعاته بالقبول والاطمئنان إنه على كل شيء قدير.

واعلموا رحمكم الله أن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله على الجماعة؛ ومن شذ شذ في النار، وصلوا رحمكم الله على محمد صلى الله عليه وسلم امتثال لأمر ربكم قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا). اللهم صلي وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وارض اللهم عن خلفائه الراشدين الأئمة المهديين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين وعن التابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وجودك وإحسانك يا أرحم الراحمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين وانصر عبادك الموحدين واجعل هذا البلد آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين، أخي المسلم إذا جئت والإمام قد رفع رأسه من الركعة الثانية فإن الجمعة قد فاتتك فلابد أن تصليها ظهرا ولا تكن مدركاً للجمعة مع الإمام حتى تصلي معه ركعة كاملة فإن جئت وقد رفع الإمام رأسه من الركوع في الركعة الثانية فإن الجمعة قد فاتتك فلا بد أن تنويها وتصليها أربع فأحرص أخي على المحافظة على الجمعة والعناية بذلك على قدر استطاعتك فإن الاهتمام بها والعناية بها فضل كبير نسأل الله أن يتقبل منا ومنكم، اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أأمتنا وولاة أمرنا، اللهم وفقهم لما فيه صلاح الإسلام والمسلمين، اللهم وفق إمامنا إمام المسلمين عبدالله بن عبدالعزيز لكل خير، اللهم أمده بعونك وتوفيقك وتأييدك إنك على كل شيء قدير، اللهم شد أزره بولي عهده سلطان بن عبدالعزيز اللهم وفقه لما تحبه وترضاه وبارك له في أقواله وأعماله، اللهم وفق النائب الثاني وأعنه على مسؤوليته واجعلهم جميعا أئمة هدى وقادة خير إنك على كل شيء قدير. اللهم آمنا في أوطاننا وأعذنا من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم انصر إخواننا المجاهدين، اللهم أيدهم بنصرك، اللهم انصرهم على من بغى عليهم، اللهم أيدهم بنصرك، وثبت أقدامهم وقوي قلوبهم واجعلهم يتطلعون للشهادة في سبيلك اللهم وفقهم لما تحبه وترضاه، اللهم ثبت أقدامهم وقوي قلوبهم وانصرهم على من بغى عليهم إنك على كل شيء قدير، اللهم إنهم مجاهدون في سبيلك فأمدهم في عونك وتوفيقك وتأييدك واربط على قلوبهم وأنزل السكينة عليهم يا أرحم الراحمين. ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنك رءوف رحيم، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلته قوة لنا على طاعتك وبلاغ إلى حين، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثتنا، اللهم سقيا رحمة لا سقيا بلاء ولا هدم ولا غرق، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على عموم نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

الشيخ: 
عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ