واجب المسلم في رمضان

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهديه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

أما بعد:

فيا عباد الله: إن هذه الأيام والليالي، مراحل ينزلها الإنسان، مرحلة، مرحلة ، حتى ينتهي إلى أجله المقدر له، وحينئذٍ ينقطع عمله، لأن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"، وهل هذا الأجل الذي ينقطع به العمل، هل هو معلوم للناس؟ لا إنه غير معلوم: ( وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ)، وكذلك لا تدري نفس بأي وقت تموت، إذاً فلنبادر الأعمار بالأعمال الصالحة، ولنبادر الحياة الدنيا قبل الانتقال الدار الآخرة.

 أيها المسلمون: إن من نعمة الله على عباده، ومن -رحمة الله- بعباده أن جعل في هذه الأيام مواسم للخيرات تتراوح على عباد الله حتى يجددوا نشاطهم بالأعمال الصالحة، وإن من هذه المواسم ما العباد مستقبلوه في هذه الأيام ألا وهو شهر رمضان المبارك، الذي أنزل الله فيه القرآن، وضاعف فيه الحسنات فرض الله صيامه وندبكم إلى قيامه، وصح عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه قال من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه، من أتى فيه بعمره كان كمن أتى بحجة، فيه تفتح أبواب الجنة، فتكثر الطاعات من أهل الإيمان وتغلق أبواب النيران، فتقل المعاصي من أهل الإيمان، وتغل مردة الشياطين، فلا يخلصون إلى أهل الإيمان بمثل ما يخلصون إليهم في غيره .

أيها الأخوة: استقبلوا هذا الشهر المبارك شهر رمضان بنيه صادقة، وعزيمة ثابتة، فكم من إنسان تمنى وصول هذا الشهر فلم يصله، وكم من إنسان أمل أن يصومه فلم يصمه، فإذا يسر الله لكم ذلك فقوموا بحقه، وأعلموا أن للصيام حدوداً بينها الله في كتابه، وبينها رسوله -صلى الله عليه و على آله وسلم- في سنته، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا رجل كان يصوم صوماً فليصومه، فلا يتقدم الإنسان على رمضان بيوم ولا يومين إلا من كان له عاده، مثل أن يكون شهر رمضان في الجمعة، ويكون من عاده الرجل أن يصوم يوم الخميس، فلا حرج عليه أن يصوم يوم الخميس، ولو كان قبل رمضان بيوم، لأن هذا من عادته، وكذلك من بقي عليه أيام من رمضان فليواصلها إلى أن يدخل شهر رمضان، إذا لم تتم قبل ذلك وكذلك من كان من عادته أن يصوم أيام البيض ففاتته، ولم يتمكن من صيامها إلا في آخر الشهر، فلا حرج عليه في ذلك، ولا تصوموا في يوم الشك وهو يوم الثلاثين من شعبان، إذا كان في ليلته ما يمنع من روية الهلال من غيم أو قتر أو غيرهما، ففي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: "لا تصوموا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين"، هكذا قال النبي -عليه الصلاة والسلام- أكملوا العدة ثلاثين أي عدة شعبان أكملوها ثلاثين، لأن الشهر يكون تسعة وعشرين يوم ويكون ثلاثين يوما، فإذا لم نره ليلة الثلاثين فإننا نكمل الثلاثين، وعن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه و على آله وسلم- قال: "فإن غبي عليكم أي الهلال ليلة الثلاثين من شعبان فأكملوا عدة شعبان ثلاثين"، وقال عمار بن ياسر رضي الله عنه: "من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وعلى آله وسلم"، ومن رأي الهلال يقيناً وجب عليه أن يخبر بذلك ولاة الأمور، ولا يحل له أن يكتمه إذا كان قد تقين رؤيته، وإذا أعلن في إذاعة هذه البلاد ثبوت رمضان فصموا، وإذا أعلن فيها ثبوت شوال فأفطروا لأن إعلان ولاة الأمور ذلك حكم به جاء إعرابي إلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فأخبره أنه رأى الهلال، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أتشهد أن لا إله إلا الله وان محمد رسول الله"، قال: نعم، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فأذن في الناس يا بلال أن يصوموا غدا، وصوم رمضان أحد أركان الإسلام فرضه الله على هذه الأمة، كما فرض الصيام على الأمم التي قبلها، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) وقال (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)، فالصوم واجب على كل مسلم بالغ عاقل قادر مقيم ذكر أم أنثى إلا الحائض والنفساء، فلا يجب الصوم على الكافر، ومعنى قولنا لا يجب على كافر أن الكافر لا يؤمر بالصوم، وإذا أسلم لا يؤمر بقضاء، ولكنه آثم بترك الصوم، وإن كان كافرا يعذب عليه يوم القيامة، قال الله تبارك وتعالى: (إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ)، أي ما الذي أدخلكم في نار جهنم: (قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ).

وإني أقول لكم أيها الأخوة: لا تظنوا أن الكفار إذا لم يصلوا ولم يصوموا ولم يزكوا ولم يحجوا ولم يفعلوا الخير لا تظنوا أنهم سالمون من الإثم في ذلك، بل هم آثمون بل إن الكفار يحاسبون على كل لقمة يأكلونها، وكل شربة يشربونها لقول الله تبارك وتعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ )، لا تظنوا أن هؤلاء يتمتعون بنعم الله ولا يحاسبون عليها، بل هم يحاسبون عليه، أما المؤمن إذا كان مؤمناً تقياً فإنه لا يحاسب على ما يأكل ويشرب ويلبس، إذاً الصوم واجب على المسلم، أما الكافر فلا يجب عليه، فلو أسلم في أثناء رمضان، فإنه لا يلزمه قضاء ما مضى منه، ولو أسلم في أثناء يوم من رمضان أمسك بقية اليوم ولم يلزمه قضاءه ولا يجب الصوم على صغير حتى يبلغ، ولكن إذا كان لا يشق عليه فإنه على ولي أمره أن يأمره به ليعتاده، كما كان الصحابة -رضي الله عنهم- يفعلون ذلك، ولا يجب الصوم على عاجز عنه لمرض، أو غيره، لكن إن كان العجز لا يرجى زواله فإنه يطعم عن كل يوم مسكين، وإن كان يرجى زواله فإنه ينتظر حتى يزول، لقوله تعالى: (وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر)، ولا يجب الصوم أيضاً، ولا يجب الصوم على مسافر، لقوله تعالى: (أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر)، ولكن لو سافر الإنسان في رمضان من أجل أن يفطر كان السفر حرام عليه، وكان الصوم حرام عليه ووجب عليه أن يمسك ولو في السفر، لأن التحيل على إسقاط الواجب لا يسقط الواجب، كما أن التحيل على المحرم لا يجعل المحرم حلالا، ولكن هل الأفضل للمسافر أن يصوم، أو الأفضل أن يفطر، أم هما سواء في هذا للعلماء ثلاثة أقوال من العلماء: من يقول: الأفضل للمسافر أن يفطر، لقوله تعالى: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر)، ولأن ذلك أسهل وأيسر، ومنهم من يقول: الأفضل أن يصوم، لأن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يصوم في رمضان وهو مسافر، حتى في شدة الحر، قال أبو الدرداء كنا مع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في سفر، وكان الناس صياماً في حر شديد حتى إن الإنسان ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعبد الله بن رواحة، ولأن صيامه في وقته أيسر له في الغالب، وما كان أيسر فهو أفضل، وذلك لأن القضاء يكون شاقاً على الإنسان في الغالب، ولكن إذا كان الصوم يشق عليه فإن الأفضل أن يفطر، وأن يترخص برخص الله عز وجل، وإن عظمة المشقة حرم عليه أن يصوم، لأن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خرج عام الفتح، أعني فتح مكة في رمضان فصام، فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنما ينظرون فيما فعلت، فدعا -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- دعا بقدح من ماء بعد العصر فرفعه حتى نظر الناس إليه، ثم شرب، والناس ينظرون، هكذا كانت سيرة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بالمؤمنين رؤوف رحيم، أفطر بعد العصر لم يبقى على غروب الشمس إلا أقل مما مضى، أفطر من أجل أن لا يشق على الناس، ولكن بعض الناس لزم، ولم يفطر، ولعل ذلك لقرب غروب الشمس، فقيل: يا رسول الله إن بعض الناس قد صام، فقال: (أولئك العصات، أولئك العصات)، فوصفهم بالعصات، لأن الصوم شاق عليهم وهم تركوا الفطر الذي رخص الله فيه لعباده رحمة بهم، ولا فرق في المسافر الذي يجوز له الفطر، ويجوز له القصر لا فرق بين أن يكون سفره عارضاً لحاجة أو مستمراً في غالب الأحيان، كالذين يسافرون إلى العمرة يفطرون، والذين يسافرون إلى بلاد أخرى للتجارة يفطرون، والذين يسافرون لزيارة أقاربهم، أو عيادة مرضى يفطرون أيضاّ، وكذلك أصحاب السيارات التي تستمر في الأجرة كأصحاب التكاسي والنقليات وما أشبهها، فإنه يجوز لهم أن يفطروا في رمضان، لأنهم مسافرون كما يجوز لهم أن يقصروا الصلاة، ولكن إذا وصلوا إلى بلدهم في رمضان لزمهم الصوم، وكذلك يلزمهم القضاء إذا رجعوا إلى بلدهم.

 أيها الأخوة المسلمون: إن علينا أن نعرف أحكام حدود الله حتى نكون عابدين لله على بصيرة، فإنه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، ومن المهم أن نعلم أنه لا يجب الصوم على حائض و نفساء، ولا يحل لهما أن تصوما في حال الحيض أو النفاس، فإن صامتا فهما آثمتان وصومهما باطل لا يجزئ عنهما، ولكن لو أن المرأة طهرت قبل طلوع الفجر ولو بخمس دقائق، فإنه يلزمها أن تصوم، إذا كان ذلك إذا كان ذلك في رمضان، ولو لم تغتسل إلا بعد طلوع الفجر، كما أن الإنسان لو أصبح جنباً وتسحر ولم يغتسل إلا بعد طلوع الفجر فإنه لا حرج عليه، وهكذا الحائض إذا طهرت قبل الفجر ولم تغتسل إلا بعده، فإنه لا حرج عليها كما إن المرأة إذا حاضت بعد الغروب ولو بلحظة، فإن صيامها صحيح ولا قضاء عليها خلافاً، لما يعتقده بعض النساء من أن المرأة إذا حاضت بعد الغروب وقبل صلاة المغرب فإن صومها يبطل، هذا ليس بصحيح بل المرأة متى غابت الشمس وهي طاهر فإن صومها تام صحيح ولا حاجة إلى إعادته.

 أيها المسلمون: استقبلوا شهر رمضان بالعزيمة الثابتة الصادقة والنشاط، وأكثروا فيه من الأعمال الصالحة وفعل الخير، فإن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أجود بالخير من الريح المرسلة؛ أكثروا من الإحسان إلى الخلق فإن الله يحب المحسنين، أكثروا من الصدقات فإن الله تعالى يجزئ المتصدقين الحسنة بعشرة أمثالها إلا سبعمائة ضعف إلا أضعاف كثيرة: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)، أفطروا الصوام فإن من فطر صائماً فله مثل أجره من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء.

 وفقني الله وإياكم لاغتنام الأوقات بالأعمال الصالحات، وجعلنا ممن يصوم رمضان ويقومه إيماناً واحتسابا إنه على كل شي قدير، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين .

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله مستحق الحمد وأهله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وأشهد أنه رسول الحق حقا بعثه الله تعالى إلى العالمين بشيراً ونذيرا، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى آتاه اليقين .

أما بعد

فقد قال الله تعالى مذكراً عباده المؤمنين بما من الله به عليهم على الألفة بعد العداوة، والاجتماع بعد التفرق، والهداية بعد الضلال، قال الله تعالى: ( وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)، وقال الله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)، وقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا أشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر"، وقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه"، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله بها عنه كربة من كرب يوم القيامة".

 أيها المسلمون، ولا حاجة إلى أتحدث إليكم بما يكون في البوسنة والهرسك من المآسي العظيمة، والاعتداء الظالم ليس على الأموال فقط ولا على الأنفس فقط، بل على الأموال والأنفس والأعراض فتنٌ، تسمعونا عدوان آثم منذ حوالي سنتين والنصارى عليهم لعنة الله إلى يوم القيامة، يذبحون في إخواننا المسلمين، يهتكون أعراضهم يوقدون بهم النار، يجعلونهم في مخالط الأسمنت، يأمرون المرأة أن تذبح طفلها وتشرب من دمه، هكذا يقال: لنا إنه لأمر عظيم، وإنهم في محنة شديدة، لماذا؟ لأنهم مسلمون، والنصارى أعداء للمسلمين، والحروب الصليبية وما تلاها أمر معلومٌ للمسلمين ولغير المسلمين، فأقروا التاريخ عن شئتم، ولقد حصل هذا العدوان الآثم على مرئً ومسمع من الدول الكافرة التي تمثل أكثر البشرية، لأن أكثر البشر هم أصحاب النار، كما صح عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه قال: يقول الله تعالى يوم القيامة: "يَا آدَم، فيقول لبيك وسعديك، فيقول: أخرج من ذريتك بعث النار؛ فيقول: يا رب وما بعث النار؛ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون" كل هؤلاء من بني آدم في النار، ولهذا نجد أن غير المسلمون أكثر البشر وجوداً فهم أعداء لنا، اليهود أعداء والنصارى أعداء والمشركون أعداء كل من ليس بمسلم فهو عدو: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)، وما ظنك بعدو يظفر بعدوه دون أن يكف عنه، بل بالعكس يساعد على عدوه، ويمنع عدوه من أن يتسلح للدفاع عن نفسه إنه سيفعل الأفاعيل، ولكن: (وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ).

 أيها الأخوة المسلمون: إن هذه الجمهورية، أعني جمهورية البوسنة والهرسك، جمهورية ثابتة نظاماً وواقعاً، وقد أعترف كثير من دول العالم باستقلالها، ومنهم منهم الولايات المتحدة، ومعظم دول أوربا، وبعض الدول الإسلامية والعربية، وهذه الجمهورية تقع جنوب شرق أوربا، وقد أنتشر الإسلام فيها خلال العصور الوسطى إثر دخول الجيش الإسلامي فيها بقيادة محمد الفاتح عام سبع وستين وثمانمائة هجرية، أي منذ خمسمائة وستة وأربعين عاما، وصار من أهلها من كبار القادة البارزين والعلماء العاملين والدعاء المصلحين، وانتشرت فيها المساجد والمدارس الإسلامية حتى بلغت مساجد عاصمتها مدينة واحدة فيها أكثر من مائة وسبعين مسجداً وجامعة، حتى صار الأوربيون يطلقون عليها مدينة المساجد، وحدث هذا العدوان من النصارى على هذه الجمهورية، وكان الناس من قبلك حتى أهل البوسنة والهرسك، كانوا يظنون أن هذه الحرب حرب عنصرية قبلية، وما زالوا في اذاعاتهم حتى الآن، يقولون: ذلك، ولكن تبين تبيناً واضحاً أنها حرب دينية، وأنها هؤلاء النصارى يريدون القضاء على المسلمين حتى لا يبقى في أوربا دولة مسلمة، لأنهم الآن يخافون من الإسلام بعد وجود النهضة المباركة من شباب الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وهم يعلمون حق العلم أن المسلمون أقوى منهم، وأن الرجل المسلم بإيمانه وما استعان به من الأمور المادية أقوى منهم، لأن المسلم يقول: (هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ)، إما الشهادة، وإما الظفر والغنيمة، قال: (وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُ)، أيها الكفار: (أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ)، هكذا المسلم يقول حين يقاتل يقول: (هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ)، إن المؤمن يقول هذا بلسانه، أو يقوله بقلبه، وحينئذ يقدم غير مبالي بفوات الحياة الدنيا، لأنه غانم على كل حال، أما أولئك فإنهم كالأنعام يقاتلون من أجل الدنيا، ولقد سلى الله المسلمين سلاهم بما يصيبهم من الأذى والقروح، فقال جل وعلا: (وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ)، الألم واحد الجروح واحدة كل إنسان يتألم بالجرح كافرا كان أو مسلماّ، ولكن الشأن كل الشأن في قوله بعد ذلك، وترجون من الله ما لا يرجون، أنتم ترجون الشهادة وهم لا يرجون شيئ،ا لأن الله يقول: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً)، إن المؤمنين يقاتلون امتثالاً، لقوله تعالى: (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ)، (وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِم)، (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ)، أي يكونون قتلى وأسرى بأيديكم: (وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِم).

 اللهم إنا نسألك أن تعذب هؤلاء بأيدي إخواننا المسلمين، اللهم عذب الصرب والكروات بأيدي إخواننا المسلمين، اللهم عذب الصرب والكروات بأيدي إخواننا، المسلمين وإننا لمتفائلون إن شاء الله قد قدمت فقد قدمت دولة الكروات أثني عشر ألفاً للقتال مع الكرواتيين الذين في البوسنة والهرسك في هذين اليومين، وإن كانت وكالات الأنباء لا تذكر هذا العدد، وإنما تذكر خمسة ألف فقط، ولكن الأخبار التي جاءتنا عبر الهاتف يقولون: أنهم قدموا أثني عشر ألفا، ولكن بحول الله أن هؤلاء الإثني عشر ألف قدموا لمقبرتهم وحتفهم بحول الله؛ نسأل الله تعالى أن يجعل موتهم في تلك الأرض، وأن يعذبهم على أيدي إخواننا البوسنة والهرسك إنه على كل شي قدير.

 أيها الأخوة المسلمون: إن إخوانكم هناك محتاجون غاية الحاجة إلى البذل والعطاء ممن أنعم الله عليهم من المسلمين، وهذا أقل من أن نساعدهم به أن نبدل لهم من أموالنا، لقد حدثنا اليوم وقبل أن أحضر إلى هنا قبل قليل حدثني أحد الأخوة من هنالك أنه كان قبل أمس في سرايفوا وأن البيضة الواحدة بخمسة ريالات هذا إن وجدت، وذكر أشياء عظيمة تدل على الغلاء هناك، وعلى قلة الطعام، وأنهم في ضرورة إلى معونتهم بالمال، وهذا أقل ما نساعدهم به، على أننا ندعو لهم ليلاً ونهارا في صلاتنا وخلواتنا لأنهم إخواننا، وأنه أهم شيء أن لا يهتك ديننا على أيدي أعداءنا النصارى، هذا والله أهم شيء عندنا أما رجل يموت أو امرأة تموت، فهذه لا شك أنها مصيبة، ولكنها محنة ونرجو لهم رفعت الدرجات، ولكن المهم أن تغلب أمة من المسلمين، ونحن ننظر ونحن نسمع هذا هو البلاء هذا الذي يفطر الأكباد؛ نسأل الله تعالى أن يقر أعيننا بهزيمة أعداءنا في كل مكان.

 اللهم أقر أعيننا بهزيمة أعداءنا في كل مكان، اللهم أقر أعيننا بهزيمة أعداءنا في كل مكان سواء كانوا من النصارى أو اليهود أو المشركين أو من الوثنيين أو من الشيوعيين أو من المنافقين، اللهم انصرنا على كل عدو لنا يا رب العالمين إنك على كل شي قدير.

 اللهم أنصر إخواننا في البوسنة والهرسك، اللهم فرج كرباتهم ، اللهم أغفر لموتاهم، اللهم سدد خطئ مقاتليهم، اللهم أنصرهم على أعدائهم يا رب العالمين.

 اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب أهزم الكروات والصرب وأرددهم على أعقابهم خائبين، اللهم اجعلهم غنيمة للمسلمين يا رب العالمين، إنك على كل شي قدير.

 اللهم لا ترد دعائنا بسوء أفعالنا، اللهم عاملنا بالعفو والرحمة يا رب العالمين، اللهم تقبل دعائنا، اللهم تقبل دعائنا، اللهم تقبل دعائنا، اللهم تقبل دعائنا؛ اللهم صلي، وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين .  

( موقع فضيلة الشيخ العلامة ابن عثيمين – رحمه الله - )

الشيخ: 
محمد بن صالح العثيمين