مفطرات الصوم - الزكاة

مفطرات الصوم - الزكاة

 

الحمد لله الذي أنعم علينا بالأموال، وأباح لنا التكسب بها عن طريق حلال، وشرع لنا تصريفها فيما يرضى الكبير المتعال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ذو الإنعام والأفضال، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أزهد الناس في الدنيا وأكرمهم في بذلها على الإسلام، صلى الله عليه، وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان، وسلما تسليما كثيرا.

أما بعد:

أيها الناس: اذكروا حينما خرجتم من بطون أمهاتكم لا مال ولا كسوة و لا قوة ولا حيله، ولكن الله تعالى من عليكم بالأموال وخولكم إياها، فادوا ما أوجب الله عليكم في أموالكم، لقد أخرجكم الله عز وجل من بطون أمهاتكم، لا تعلمون شيئا، ولا تملكون لأنفسكم نفعا ولا ضراً، فقوموا، قوموا عباد الله تعالى بشكر الله، أدوا ما أوجب الله عليكم في أموالكم، لتبرئوا ذممكم، وتطهروا أموالكم، واحذروا الشح والبخل بما أوجب الله عليكم، فإن ذلك هلاككم، ونزعة البركة من أموالكم.

 أيها الأخوة، فكروا قليلا، هل المال هل المال يدخل معكم القبور؟ إن المال سوف تخلفونه لغيركم، وليس لكم من أموالكم إلا ما قدمتم في حياتكم، أو أورثتموه إعمال البر بعد مماتكم .

أيها الأخوة، أن أعظم ما أوجب الله عليكم في الأموال الزكاة؛ التي هي ثالث أركان الإسلام، وقرينة الصلاة في محكم القرآن، وجاء في منعها، والبخل بها الوعيد بالنيران، قال الله عز وجل: (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)، وقال الله عز وجل: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ* يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ) قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في تفسير الآية الأولى: "من أتاه الله مالا فلم يؤدي زكاته، مثل له شجاع اقرع"،  قال العلماء: الشجاع الأقرع هي الحية الخالي رأسها من الشعر، لكثرة سمها، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "مثل له شجاع اقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة يأخذ بذمتيه: يعني شدقيه، يقول: أنا مالك، أنا كنزك"، أخرجه البخاري في صحيحه؛ والزبيبتان غدتان مملوءتان من السم، أعاذنا الله وإياكم من ذلك، وقال النبي -صلى الله عليه وعلى اله وسلم- في تفسير الآية الثانية: (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها، وفي رواية -زكاتها - إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفايح من نار فاحمي عليها في نار جهنم فيكوي بها جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي بين العباد)؛ أخرجه مسلم في صحيحه.

 أيها المسلمون: انه والله لا يحمي على الذهب والفضة في نار كنار الدنيا، إنما يحمي عليها في نار أعظم من نار الدنيا كلها، فضلت عليها بتسع وستين.

 أيها المسلمون: وانه إذا احمي عليها في هذا النار العظيمة لا يكوي بها الجسم متطرف، وإنما يكوي بها الجسم من كل ناحية، يكوي بها الجسم من كل ناحية، الجباه من الإمام، والجنوب من الجوانب، والظهور من الخلف.

 أيها المسلمون: وانه إذا كوي بها الجسم من هذه النواحي كلها لا تترك حتى تبرد وتزول حرارتها، ولكنها كل ما بردت أعيدت، فأحميت.

 فاتقوا الله عباد الله: إن هذا العذاب إن هذا العذاب ليس في يوم، أو شهر، أو سنة، ولكنه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، اللهم أنجنا من النار، اللهم أنجنا من النار، اللهم أنجنا من النار، وأعذنا من الشح يا ذا الجلال و الإكرام .

فيا عباد الله: يا من آمنوا بالله ورسوله يا من صدقوا بكتاب القرآن، و صدقوا بسنته، ما قيمة الأموال التي تبخلون بزكاتها، وما فائدتها، إنها تكون نغمة عليكم، وثمرتها لغيركم إنكم لا تطيقون الصبر على وهج نار الدنيا، فكيف تصبرون على نار جهنم.

 فاتقوا الله عباد الله: لا تتهاونوا بالزكاة أدوها طيبه بها نفوسكم، لئن سألتم ما هي الأموال التي تجب فيها الزكاة فالنبين لكم شيئا منها: فالزكاة واجبه في الذهب والفضة على أي حال كانت، سواء كانت جنيهات، أو ريالات، أم قطع من الذهب والفضة، أم حلي من الذهب والفضة، سواء كان هذا الحلي للبس، أو للبيع، أو للتأجير، فالذهب والفضة معدنان نفيسان ثمينان، تجب الزكاة في أعينهما، كما جاءت نصوص الكتاب والسنة، جاءت نصوص الكتاب والسنة بوجوب زكاة الذهب والفضة عموما، دون تفصيل وجاءت نصوص من السنة خاصة في أيجاب الزكاة في الحلي، فقد سمعتم قول النبي -صلى الله عليه وعلى اله وسلم-: "ما من صاحب ذهب وفضة"، ومن المعلوم إن المرأة التي تملك حلي: هي صاحبه الذهب والفضة، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما-: إن امرأة أتت النبي -صلى الله عليه وعلى اله وسلم-، ومعها ابنه لها، وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب المسكتان هما السواران، فقال النبي - صلى الله عليه وعلى اله وسلم-: "أتعطين زكاة هذا؟" قالت: لا، قال: "أيسرك أن يسورك الله بهم يوم القيامة سوارين من نار"، فخلعتهما، فالقتهما إلى النبي -صلي الله عليه وعلى اله وسلم-، وقالت هما لله ورسوله، قال الحافظ بن حجر: في بلوغ المرام رواه الثلاثة وإسناده قوي، وصححه شيخنا عبد العزيز بن باز -وفقه الله-، وإذا كان هذا ما جاءت به السنة، فلا قول بعد قول رسول الله -صلى الله عليه وعلى اله وسلم-، فالنجاة النجاة النجاة النجاة .

أيها الأخوة المسلمون: لا تتبعوا الرخص، فإنكم محاسبون يوم القيامة، فيما في كتاب الله، وسنة رسوله على ما بلغكم من كتاب الله، وسنة رسوله -صلى الله عليه وعلى اله وسلم-، ويوم يناديهم ماذا أجبتم المرسلين، لا يقال: لهم ماذا أجبتم الإمام فلانا، والإمام فلانا، أو العالم فلانا، بل ماذا أجبتم المرسلين، فمن بلغته سنة رسول الله -صلى الله عليه وعلى اله وسلم-، فلا عدول عنها لقول احد من الناس، كائن من كان، حتى قال عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-: "يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول، قال: رسول الله، وتقولون، قال: ابو بكر، وعمر"، ومن مِن الناس بعد أبي بكر وعمر، هل احد يساوي أبو بكر وعمر في التوفيق للصواب ؟ ومع ذلك قال بن عباس إنكم إذا خالفتم قول: الرسول، لقول أبي بكر وعمر، فانه يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، ولكن، هل تجب الزكاة في الذهب والفضة سواء كانت قليلة أو كثيرة؟ الجواب على هذا: إن الزكاة من شرط وجوبها أن تبلغ النصاب، ونصاب الفضة وزن، ونصاب الفضة وزن ستة وخمسين ريال من الفضة فما دون ذلك، فانه لا زكاة فيه، ونصاب الذهب ونصاب الذهب عشرون مثقال ويساوي خمسة وثمانين جرام فما دون ذلك، فانه لا زكاة فيه، وإذا كان عند الإنسان نصف نصاب من الذهب ونصف نصاب من الفضة، فانه لا زكاة عليه، لان كل واحدا منهما لم يبلغ النصاب، ولا يضم أحدهما إلي الأخر، كما لا يضم البر إلى الشعير في تكمله النصاب، ولكن إذا كان عند الإنسان بنات وعند كل واحده منهن حلي لا يبلغ النصاب، فانه لا يلزمه أن يضم بعضه إلى بعض، لان كل واحده منهن منفردة بملكها، وملكها لا يبلغ النصاب، كما إذا كان قد جعل هذا الحلي عارية لبناته يلبسنه دون تمليك، فان الذهب يكون ملكا له، وحينئذ يضم بعضه إلي بعض في تكيل النصاب، هذا هو أحد الأصناف التي تجب فيها الزكاة، وتجب الزكاة أيضا في عروض التجارة، وهو ما أعده الإنسان للتكسب والربح، من أي نوع من المال، من أي جنس كان، سواء كان من العقارات، أو من المواشي، أو من الحبوب، أو من الثياب، أو من الأواني، أو من السيارات، أو من غير ذلك، كل ما أعده الإنسان للربح، فانه عروض تجارة يجب عليه أن يودي زكاته، وأما ما أعده الإنسان للبيع دون الربح، فانه لا زكاة فيه، مثال ذلك رجل اشتري أرضا ليبني عليها، ثم عدل عن ذلك، وبقيت الأرض معروضة للبيع، فانه لا زكاة فيها، لأنه لم يتخذها للتجارة، ولكن طابت نفسه منها وأراد أن يبيعها، وكذلك من منح أرضا، وبقيت عنده يعرضها للبيع، فانه لا زكاة فيها، لأنها ليست للتجارة، وكذلك لو كان عنده سيارة وطابت نفسه منها، وجعلها في المعرض، فانه لا زكاة فيها، لأنها ليست للتجارة؛ والقاعدة في هذا: إن ما أعده الإنسان للربح، فانه تجب زكاته، ويكون عروض تجارة، وما ليس كذلك، فانه ليس عروض تجارة، ولكن ليكن لديكم معلوما إن الذهب والفضة تجب فيهما الزكاة على كل حال, من النقود الورقية، فان الزكاة فيها واجبة حتى لو كان الإنسان أعدها للنفقة، أو أعدها للزواج، أو أعدها لشراء بيت، أو شراء سيارة، ولقد فهم بعض الناس إن الإنسان إذا جمع مالا يتزوج به، فانه لا زكاة عليه فيه، وهذا غير صحيح، بل إذا كان عند الإنسان نقود من الذهب والفضة، أو الورق النقدي، فان الزكاة فيه واجبه، ولئن سألتم ما الواجب في الذهب والفضة وعروض التجارة، فالواجب، إن الواجب فيهن ربع العشر: أي واحد في الأربعين، أو اثنان ونصف في المائة، هذه هي الزكاة الواجبة في الذهب والفضة، وعروض التجارة.

 أيها الأخوة، وان من شروط وجوب الزكاة أن يتم الحول على المال، فان لم يتم عليه الحول، فانه لا زكاة فيه، ومثال ذلك: إذا كان عند الإنسان مال كثير، ثم تلف هذا المال قبل أن يتم الحول، فانه لا زكاة عليه، ومثال أخر: لو كان عند الإنسان مال كثير، ومات قبل أن يتم الحول بيوم أو يومين، فانه لا زكاة على هذا الميت، لكن الزكاة على الورثة، إذا تمت السنة، أما عروض التجارة، فان عروض التجارة ينبني بعضها على بعض، فلو كان الإنسان يبيع ويشتري، واشترى السلعة قبل تمام حول ماله بشهر، فانه يزكيها مع ماله، لان عروض التجارة يتبادل بعضها مع بعض، لا حاجة لتمام الحول فيها، وكذلك الربح ليس يشترط فيه أن يتم الحول، فلو اشتري إنسان أرضا بعشرة آلاف، وقبل تمام صارت تساوي عشرين ألفا، فان الواجب عليه أن يزكي عشرين ألفا، لان الربح تبع للأصل، ولقد كان يشكل على بعض الناس الذين لهم رواتب يستلمونها شيئا فشيئا، كيف يؤدون زكاتها، لان متابعة الشهور، قد تكون شاقة على الإنسان، ولكن لهذا حل بسيط لهذا، حل يسير، وهو إن الإنسان يجعل له شهر معينا يجعل فيه زكاته، ويؤدي في هذا الشهر زكاة جميع ما عنده، ولو لم يتم له حول، ويكون ما لم يتم حوله، وتكون زكاة ما لم يتم حوله زكاة معجلة، وتعجيل الزكاة جائز لاسيما عند الحاجة اليه، كما في هذه المسالة، أما ما يكون من أواني البيت وفرش البيت وحوائج البيت، فان ذلك ليس فيه زكاة، لقول النبي -صلى الله عليه وعلى اله وسلم-: "ليس على الرجل المسلم في عبده، أو فرسه صدقة".

 اللهم إنا نسألك أن ترينا الحق حقا وترزقنا إتباعه، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا إتباعه، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، اللهم قنا شح أنفسنا وأعذنا من البخل يا رب العالمين؛ اللهم اجعلنا من ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاتك انك على كل شئ قدير، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى اله، وصحبه أجمعين.

 

الخطبة الثانية:

 الحمد الله، احمده، واشكره، وأتوب إليه، واستغفره، واشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، واشهد أن محمدا عبد ورسوله، صلى الله عليه، وعلى اله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلي يوم الدين.

أما بعد:

فقد قال الله تبارك وتعالى: (فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ)، يعني النساء: (وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ)، ففي هذه الاية الكريمة ذكر ثلاثة أشياء مفطرات للصائم: وهي الأكل والشرب والجماع، فمن جامع زوجته في نهار رمضان، وهو من، مَن يجب عليه الصوم، فانه أثم، وصومه فاسد، وعليه القضاء، وعليه الكفارة المغلظة: وهي عتق رقبة، فان لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فان لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، هذا اذا كان من من يجب عليه الصيام، كما لو كان من لم يجب عليه، كما لو كان مسافرا، ومعه أهله، وهما صائمان، ثم بدا له ان يأتي أهله، فلا حرج عليه، ليس عليه الا قضاء اليوم الذي جامع فيه، لأنه لا يجب عليه الصوم في السفر، أما الأكل والشرب، فان كل مأكول وكل مشروب سواء كان نافعا، أم ضارا، أم ليس نافعا، أو ضار، فانه مفطر للصائم، مفسدا لصومه، وأما ما ليس أكلا، ولا شربا، ولا بمعنى الأكل والشرب، كالإبر المقوية، أو الإبر التي للدواء، فانها لا تضر ولا تفسد الصوم، سواء تناولها عن طريق العضلات، أو عن طريق العروق، لأنها ليس أكلا ولا شربا ولا بمعني الأكل والشرب، ومن المفطرات التي جاءت بها السنة الحجامة، فلقد افطر الحاجم والمحجوم، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأما خروج الدم للرعاف، فانه لا يفسد الصوم، وأما خروج الدم للجرح اذا انجرح، وخرج منه الدم فانه لا يفسد الصوم، ولو كان كثيرا، وأما خروج الدم بقلع السن، أو الضرس فانه لا يفسد الصوم، ولكن لا يبتلع الدم وهو صائم، ومما جاءت به السنة، فان من تعمد القئ حتى خرج ما في معدته من طعام، أو شراب فسد صومه، ومن زرعه أي غلبه القئ، فلا شئ عليه، وأما الطيب فانه لا يفطر سواء كان مشموما من الادهان، أو من البخور، فانه لا يفطر، لكن لا يستنشق الصائم دخان البخور، لان هذا الدخان له جرم حتى لا يصل الي المعدة من حيث لا يشعر، أما إذا تطيب بدون ان يستنشق البخور، فلا حرج عليه، ولا يفسد صومه، ولقد ظن بعض الناس إن البخور لا يصلح للصائم، وليس الأمر كما ظن، فانه جائز للصائم وغير الصائم، لكننا نقول: إن الصائم لا يستنشقه، لأ لا يصعد إلى جوفه ويصل الي معدته، هذه المفطرات، إنما تفطر إذا فعلها الإنسان: عالما ذاكرا مريدا، أما إذا كان جاهلا، أو ناسيا، فانه لا يفسد صومه لعموم، قول الله تعالى :(رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا)، فقال الله: قد فعلت، ولأنه ثبت في صحيح البخاري عن أسماء بنت أبي بكر -رضى الله عنهما- افطرنا على يوم غيم في عهد النبي -صلى الله عليه وعلى اله وسلم- حتى طلعت الشمس، ولم يأمرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بالقضاء، ولو كان القضاء واجبا، لأمرهم به، ولو أمرهم به لنقل إلينا، لأنه إذا أمرهم صار شريعة، والشريعة محفوظة، ولله الحمد، قال -صلى الله عليه وسلم-: "من نسي وهو صائم، فأكل، أو شرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه"، وأما من لم يكن عامدا، فقد قال الله تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ)، وعلى هذا لو تمضمض الإنسان، فنزل من الماء شئ إلى بطنه، إلى بطنه بدون قصد، فان صومه لا يفسد، وهذا من تيسير الله ورحمته بعباده، فله الحمد والشكر والمن علينا أولا، وأخرا.

 أيها المسلمون: أحفظوا صيامكم، أحفظوه من المنقصات، والناقضات، حتى تؤدوه على الوجه الذي يرضاه الله عنكم، أكثروا فيه من الصدقة والصلاة والذكر وقراءة القران، فان ذلك خيرا لكم، لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، فبين الله تعالى الحكمة من الصيام: وهي تقوى الله عز وجل، وقال النبي -صلى الله عليه وعلى اله وسلم- : "من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجه أن يدع طعامه".

 أسال الله تعالى: أن يحفظ علينا جميعا صيامنا وقيامنا وعباداتنا، وان يحفظنا بذلك انه على كل شيء قدير.

 واعلموا أيها الأخوة، إن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وعلى اله وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة -يعني في دين الله- بدعة، وكل بدعة ضلالة، فعليكم بالجماعة، اجتمعوا على دين الله، لا تتفرقوا فيه، فان يد الله على الجماعة، ومن شذ، شذ في النار، وأكثروا من الصلاة والسلام على نبيكم تلزموا أمر الله، وتادوا شي من حقوق رسول الله، وتنالوا بذلك ثواب الله، قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من صلي علي مرة واحدة صلي الله بها عليه عشرة".

اللهم صلي وسلم على عبدك ورسولك محمد، اللهم ارزقنا محبته واتباعه ظاهرا وباطنا، اللهم توفنا على ملته، اللهم احشرنا في ملته، اللهم اسقنا من حوضه، اللهم أدخلنا في شفاعته، اللهم اجمعنا به في جنات النعيم مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، اللهم أرضى عن خلفائه الراشدين: وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي أفضل إتباع المرسلين، اللهم أرضى عن الصحابة أجمعين وعن التابعين لهم بإحسان إلي يوم الدين، اللهم ارضي عنا معهم بمنك وكرمك وجودك يا رب العالمين، اللهم أمورهم اللهم أصلح للمسلمين ولاة أمورهم، اللهم أصلح للمسلمين ولاة أمورهم، اللهم ارزقهم الحكم بكتابك وسنة نبيك يا رب العالمين، اللهم أصلح ولاة الأمور بطانتهم ثم ابعد عنهم كل بطانة سوء يا رب العالمين.

 ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا، ربنا انك رؤوف رحيم .

عباد الله: أكثروا من الاستغفار والتوبة لله اخرجوا زكاة أموالكم، فانه ما منع قوما زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا أدوا زكاة أموالكم، اخرجوا من المظالم، استغفروا ربكم انه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا غيث مغيثا هنيئا مريئا غدغاً مجللا عاما نافعا غير ضار، اللهم اسقنا الغيث والرحمة ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا الغيث والرحمة ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا الغيث والرحمة ولا تجعلنا من القانطين، ربنا ظلمنا أنفسنا وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكو ناً من الخاسرين، اللهم اغفر لنا ذنوبنا، واستر عيوبنا، وكفر عنا سيئاتنا، وتوفنا من الأبرار يا ذي الجلال والإكرام، اللهم صلى وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى اله، وصحبه أجمعين .

( موقع فضيلة الشيخ العلامة ابن عثيمين – رحمه الله - )

الشيخ: 
محمد بن صالح العثيمين