الحلال والحرام في الصيام

الحمد لله الذي بين لعباده الحرام والحلال، وحد لهم حدودا بينة المعالم لا غموض فيها ولا إشكال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الكبير المتعال، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أهدى الخلق في المقال والفعال، صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان ما تعاقب الأيام والليال، وسلم تسليما .

أما بعد:

فيا أيها الناس: اتقوا الله تعالى، فإن الله تعالى إنما خلقكم لتعبدوه، كما قال الله عز وجل: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ)، اشكروا الله عز وجل على ما أبان لكم من معالم الدين، والتزموا طاعة الله وسيرة النبيين والمرسلين، فإن الله فرض فرائض، فلا تضيعوها وحد حدوداً، فلا تعتدوها، إلا وإن من ما حده الله وأوضحه وأبانه وأظهره، ذلكم الصوم الذي هو أحد أركان الإٍسلام، فقد بين الله تعالى ابتداءه وانتهاءه شهريا، وابتداءه وانتهاءه يوميا، بين ذلك في كتابه، وفي سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، فقال تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إذا رأيتموه، فصوموا، وإذا رأيتموه، فأفطروا، فإن غم عليكم، فأكملوا العدة ثلاثين"، وقال الله تعالى: (فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ)، الخيط الأبيض: بياض النهار، والخيط الأسود: سواد الليل، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه: "كلوا وأشربوا حتى تسمعوا أذان أبن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر، وقال: إذا أقبل الليل من هاهنا، وأشار إلى المشرق وأدبر النهار من هاهنا وأشار إلى المغرب فقد أفطر الصائم" فمتى شاهد الإنسان الفجر المعترض في الأفق، أو سمع المؤذن الثقة الذي لا يؤذن حتى يطلع الفجر وجب عليه الإمساك ومتى شاهد قرص الشمس غائباً في الأفق، ولو كان شعاعها باقياً في السماء، أو سمع المؤذن الثقة الذي لا يؤذن حتى تغرب الشمس، حل له الفطر، وإن من المؤسف حقاً أن بعض المسلمين يقوم متأخراً، وهو يعلم أنه متأخراً، فيذهب فيشرب ماءً، أو يشرب لبناً، لأنه لا يرى أنه يمسك بدون أكل أو شرب، وهذا تهاون بحدود الله عز وجل، وانتهاك لحرماته، فالإنسان قام وقد طلع الفجر، فإنه لا يحل له أن يأكل شيئاً، ولا يشرب شيئاً، بل يمسك على ريقه، ثم إن شق عليه الصوم في النهار، وخاف على نفسه الضرر، فله أن يفطر، أما أن يأكل، وهو يعلم أن الفجر طالع، فإن هذا حرام عليه، ويلزمه أن يمسك ذلك اليوم، ويلزمه قضاؤه، ويلزمه التوبة إلى الله عز وجل.

 أيها المسلمون: إن الصوم: هو الإمساك من طلوع الفجر إلى غروب الشمس عن المفطرات؛ والمفطرات أنواع سبعة: الأول: الجماع: وهو أعظم المفطرات، وأشدها، وفيه الكفارة المغلظة، إذا حصل في نهار رمضان ممن يجب عليه الصوم، وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين لا يفطر فيهما يوم واحد إلا من عذر، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، والمرأة مثله إذا كانت مطاوعة ولم تمتنع، أما إذا امتنعت فأكرهها وهي لا تستطيع المدافعة، فإنه لا شيء عليها، ليس عليها قضاء ولا كفارة، إننا نقول: إذا حصل الجماع في نهار رمضان ممن يجب عليه الصوم ففيه الكفارة، أما من لا يجب عليه الصوم، كما لو جامع الإنسان زوجته وهو مسافر صائم إنه لا كفارة عليه، لأن المسافر الصائم يجوز له أن يفطر في الأكل والشرب والجماع؛ الثاني: من المفطرات إنزال المني بشهوة بتقبيل أو لمس أو ضم أو استمناء أو غير ذلك، فأما إنزال المني بالاحتلام، فأنه لا يفطر، لأنه من نائم والنائم لا اختيار له؛ الثالث: الأكل والشرب: وهو إيصال الطعام أو الشراب إلى جوفه، سواء كان الطعام أو الشراب حلالاً أم حراماً، فالحلال كالخبز مثلاً والماء، والحرام كالدخان، فإنه مفطر، وسواء كان الأكل نافع أم غير نافع، وسواء كان عن طريق الفم أم عن طريق الأنف، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "بالغ في الاستنشاق"،  يعني حال الوضوء: "إلا أن تكون صائماً"، فدل هذا على أن الداخل من الأنف كالداخل من الفم، فأما شم الروائح فلا يفطر، لأنه ليس للرائحة جرم يصل إلى الجوف، وأما استنشاق البخور، فلا يستنشقه الصائم، لأن البخور دخان له أجزاء تتطاير إلى جوفه إذا أستنشقه، أما الروائح التي ليس لها أجزاء، فأنه لا بأس أن يستنشقها؛ الرابع: ما كان بمعنى الأكل والشرب، مثل الإبر المغذية التي يستغنى بها عن الطعام والشراب، لأنها بمعنى الطعام والشراب، فأما الإبر غير المغذية، فإنها لا تفطر، سواء أخذها للتداوي أم لتنشيط الجسم، وسواء أخذها مع العرق أم مع العضلات، لأنها ليست بمعنى الأكل والشرب، والأصل بقاء الصيام حتى يثبت ما يفسده بنص أو إجماع أو قياس صحيح، ولا حرج عليه إذا وجد طعم الإبرة في حلقه، لأن ذلك لا يكون أكلاً ولا شربا؛ الخامس: إخراج الدم بالحجامة، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أفطر الحاجم والمحجوم"، فأما أخذ الدم من البدن للتحليل، فإنه لا يفطر، لأنه يسير لا يؤثر على البدن تأثير الحجامة، ولا يفطر خروج الدم بالرعاف ولو كثر، لأنه بغير اختياره، ومثل ذلك لو خرج الدم من جرح سكين أو زجاجة أو حادث ولو كان كثيراً، فإنه لا يفطر، لأنه بغير اختياره، ولا يفطر خروج الدم من قلع السن أو الضرس، لكن لا يبلع الدم، لأن بلع الدم حرام على الصائم وغيره، فإن وصل شيء من الدم إلى جوفه بغير اختياره، فلا حرج عليه، ولا يفطر بشق الجرح لإخراج المادة منه، ولو خرج الدم معها، لأن ذلك يسير لا أثر له، فأما سحب الدم من شخص ليحقن في شخص آخر، فإن كان كثيراً إي إن كان الدم المسحوب كثيراً، فإنه يفطر، لأنه يؤثر على البدن كما تؤثر الحجامة، وعلى هذا فلا يحل لمن صومه واجب أن يمكن من سحب الدم الكثير منه، إلا أن يكون لشخص مضطر لا يمكن صبره إلى الغروب، فإنه حينئذٍ يجوز أن يمكن من سحب الدم منه لهذا المضطر، لأن دفع ضرورة المعصوم واجب، وفي هذه الحال يفطر ويأكل ويشرب بقية يومه، ويقضي يوماً مكانه، لأن الإنسان إذا أفطر بسبب مباح، فله أن يأكل بقية يومه، ولا حرج عليه؛ السادس: القيء وهو إخراج ما في المعدة من طعام أو شراب، فإن خرج القيء بنفسه بلا تعمد، فلا حرج، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من ذرعه القيء -إي غلبه-، فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدا، فليقض"، وهذه المفطرات الستة: لا تفطر الصائم إلا إذا فعلها عالماً ذاكراً مختارا، فإن فعلها جاهلاً لم يفطر، سواء كان جاهلاً بالحكم أم جاهلاً بالوقت، فمن أكل مثلاً: يظن أن الفجر لم يطلع، وتبين له أنه قد طلع، أو أكل يظن أن الشمس قد غربت، وتبين له أنها لم تغرب، فإن صومه صحيح، ولا قضاء عليه، لقول الله تعالى: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا)، ولقوله تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ)، وفي صحيح البخاري عن أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنهما- قالت: ( أفطرنا على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- في يوم غيم، ثم طلعت الشمس)، ولم يذكر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمرهم بالقضاء، فلو كان القضاء واجباً، لأمرهم به النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولو أمرهم به النبي -صلى الله عليه وسلم- لنقل إلى الأمة، لأنه من الشرع الذي تكفل الله ببيانه، وأوجب على رسوله -صلى الله عليه وسلم- تبليغه، لكن متى علم أنه في نهار وجب عليه أن يمسك، فإن أستمر بعد علمه بطل صومه، ومن أتى شيئاً من المفطرات ناسياً، فصومه تام ولا قضاء عليه، للآية التي ذكرناها، وهي قوله تعالى : (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا)، ولقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من نسي وهو صائم فأكل أو شرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه"، لكن متى ذكر أو ذكر وجب عليه أن يمسك، حتى الذي في فمه يجب أن يلفظه، فإن بلعه بعد أن ذكره بطل صومه، ومن رأى صائم يأكل أو يشرب ناسياً، فليذكره فإنه من التعاون على البر والتقوى، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إذا نسيت فذكروني"، فكل من نسي شيئاً واجب عليه، أو نسي ففعل شيئاً محرماً عليه، وعلم بذلك أخوه، فإنه ينبهه على ذلك، ومن حصل عليه شيء من المفطرات بغير اختياره، فصومه صحيح، فلو طار إلى جوفه غبار أو تسرب إليه ماء من المضمضة أو الاستنشاق أو جذب الماء بسبب مباح، فوصل إلى جوفه شيء منه بغير اختياره، فصومه صحيح، ولا قضاء عليه؛ النوع السابع: من المفطرات خروج دم الحيض أو النفاس، فمتى خرج من المرأة الحيض أو النفاس قبل الغروب ولو بلحظة، بطل صومها، فإن خرج بعد الغروب ولو بلحظة، فصومها صحيح ولا قضاء عليها، وهنا أقف لأنبه على مسألة شائعة بين النساء، يظن بعض النساء إن المرأة إذا حاضت بعد غروب الشمس وقبل أن تصلى المغرب، فإن صومها ذلك اليوم يفسد، ولكن هذا ليس بصحيح، العبرة بخروج دم الحيض قبل الغروب، فإذا خرج قبل الغروب بطل صومها، وإذا خرج بعد الغروب ولو بلحظة واحدة، فإن صومها صحيح، ولا قضاء عليها، أرجو منكم أن تنبهوا النساء على ذلك، ويجوز للصائم أن يكتحل بأي كحل شاء، ويجوز أن يقطر دواء في عينه أو أذنه، ولا يفطر بذلك ولو وجد طعمه في حلقه، ويجوز للصائم أن يداوي جروحه، وأن يتطيب بالبخور وغيره، لكن لا يستنشق دخان البخور فيصل إلى جوفه، ويجوز للصائم أن يفعل ما يخفف عنه مشقة الحر والعطش كالتبرد بالماء وبل الثوب ونحوه، فقد روى، فقد روى مالك عن بعض أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه رأي النبي -صلى الله عليه وسلم- يصب الماء على رأسه من العطش أو من الحر يعني وهو صائم، وبل أبن عمر -رضي الله عنهما- ثوبه وألقاه على بدنه، ويجوز للصائم أن يتمضمض إذا نشف فمه، وأن يستاك في أول النهار وأخره، بل السواك سنة في حق الصائم وغيره في أول النهار، وفي أخره متأكد عند الوضوء، والصلاة، والقيام من النوم، ودخول البيت أول ما يدخل.

 فاحفظوا أيها المسلمون: صيامكم، وحافظوا عليه والتزموا فيه حدود الله، غير مغالين ولا مفرطين، فإن دين الله تعالى وسط بين الغالي فيه والجافي عنه، تسحروا فإن في السحور بركة، وأخروا السحور فإن تأخيره أفضل، ولكن أحذروا أن يخرج الفجر وأنتم تأكلون وتشربون، فإذا طلع الفجر فأمسكوا وأفطروا إذا غربت الشمس، وبادروا بالفطر، فلا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر وأفطروا على رطب، فإن لم يكن فتمر، فإن لم يكن فماء، فأنه طهور فإن لم يكن فعلى أي طعام وشراب حلال، فإن غربت الشمس وأنت في مكان ليس فيه ما تفطر به، فأنوي الفطر بقلبك ولا تفعل ما يقوله: بعض الناس، لا تمص إصبعك، أو تعلك ثوبك، كما يظنه بعض العوام، فإن هذا لا ينفع.

 أيها المسلمون: حافظوا على طاعة الله، وأكثروا منها في صيامكم، واجتنبوا ما حرم الله عليكم من اللغو والرفث وقول الزور والعمل به، وإن سابك أحد أو شاتمك، فقل: إني صائم وأتركه، أقيموا الصلاة جماعة في المساجد، لا تهاونوا بها، فتضيعوها، وأعلموا أن كل واجب ضيعتموه أو محرم فعلتموه، فإنه نقص في إيمانكم وصيامكم، فتوبوا إلى الله منه، وابتعدوا عن استماع المعازف الآلات اللهو، سواء سمعتموها من الراديو أو من غيره، فإن الصوم جنة يتقي بها الصائم من الآثام وينجو بها من النار، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) .

اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا أن تحفظ علينا ديننا، اللهم أحفظ علينا ديننا، اللهم زدنا فيه رغبة، اللهم ثبتنا عليه، اللهم لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ربنا هب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، اللهم صلى وسلم على عبدك ونبيك محمد خاتم النبيين، وإمام المتقين، وعلى آله، وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين .

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانه، وأشكره على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ألوهيته وربوبيته وسلطانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المؤيد ببرهانه الداعي إلى جنته ورضوانه، صلى الله عليه، وعلى آله، وأصحابه، وأنصاره، وأعوانه، وسلم تسليماً كثيرا .

أما بعد:

فإني رأيت الآن ثلاثة نفر قاموا يصلون بين الخطبتين، وهذا منهياً عنه، فإنه لا صلاة حال الخطبة، ولا بين الخطبتين إلا لمن دخل المسجد، فإنه يصلى ركعتين خفيفتين، وإنه ينبغي لكم إذا رأيتم أحداً يصلى أن تمنعوه من الصلاة، وأن تبينوا له أن ذلك ليس بمشروع، لأن هذا من باب الأمر بالمعروف.

 أيها الأخوة، إن هذا الشهر شهر رمضان هو الذي أنزل الله فيه القرآن، هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، وينبغي لنا أن نكثر من قراءة القرآن في هذا الشهر المبارك، لأن جبريل كان ينزل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فيدارسه القرآن في شهر رمضان، فأكثروا أيها الأخوة، أكثروا من قراءة القرآن في هذا الشهر المبارك، أقرءوا القرآن بتمهل وتدبر، فإن الإنسان إذا قرأ القرآن وهو ماهر فيه كان مع السفرة الكرام البررة، وإذا قرأه وهو شاق عليه يتتعتع فيه كان له أجران: أجر القراءة، وأجر التعب على القراءة، وإذا مررت بآية سجدة فاسجدوا، سواء كان ذلك في الليل أو النهار في أي وقت من أوقات النهار أو الليل، أسجدوا فكبروا إذا سجدتم، وسبحوا كما تسبحون في الصلاة، وقولوا: اللهم لك سجدت، وبك أمنت إلى أخر الذكر المعروف، ثم ارفعوا بدون تكبير وتسليم إلا إذا سجد الإنسان في الصلاة، فإنه يجب أن يكبر إذا سجد، ويجب أن يكبر إذا رفع، لأن الذين وصفوا صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وصفوا أنه يكبر في كل خفض ورفع، ومن المعلوم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان تمر به آية السجدة وهو يصلي فيسجدها، أقرءوا القرآن على طهارة، فإن قراءة القرآن على طهارة أفضل، ولا تقرءوا القرآن وأنتم على جنابة، حتى تغتسلوا لا تقرءوه من المصحف، ولا تقرءوه عن ظهر قلب، وعليكم جنابة حتى تغتسلوا منها، أما المرأة الحائض، فيجوز لها أن تقرأ القرآن لتحفظه، إذا خشيت نسيانه، ويجوز أن تقرأه في المدرسة، ويجوز أن تدرسه، ويجوز أن تقرأ الأوراد التي تقرأها في الليل أو النهار من القرآن، أما قرأته لمجرد التلاوة، وطلب الأجر، فإن الأولى أن لا تقرأه، لأن العلماء مختلفون في تحريم القراءة على الحائض، فمنهم من يرى أنه يجوز لها أن تقرأه مطلقاً، ومنهم من يرى أنه لا يجوز لها أن تقرأ مطلقاً، وإذا كان الأمر هكذا فإنها إذا احتاجت إلى قراءته فلتقرأه، وإن لم تحتج إليه فالأولى أن لا تقرأه خروجاً من هذا الخلاف القوي، ولا تمسوا المصحف إلا على طهارة، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يمس القرآن إلا طاهر"، أي إلا طاهر من الحدث، لأن الوصف بالطهارة إنما يكون عند الحدث، قال الله تعالى حين ذكر آية الوضوء والغسل والتيمم: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ)، فدل هذا على أن المحدث ليس بطاهر، ولم يعهد من النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يعبر عن المؤمن بكلمة طاهر، وإنما يعبر عن المؤمن بوصف الإيمان، وعن المتقي بوصف التقوى، نعم، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن المؤمن لا ينجس"، والمعنى أنه لا ينجس نجاسة معنوية، بل هو طاهر بخلاف المشرك، فإنه نجس نجاسة معنوية، لقوله تعالى :(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)، ونجاسة المشرك نجاسة معنوية، ولهذا لو مسسته ويدك رطبة، فإن يدك لا تنجس بذلك، ولو طبخ لك طعاماً، فإنه لا ينجس إذا مسه، لأن نجاسته نجاسة معنوية؛ أسال الله تعالى أن يطهر بلادنا من كل مشرك كافر.

 أيها الأخوة، أكثروا من قراءة القرآن، فإن فيها أجراً إن في كل حرف تقرؤونه عشر حسنات، لا أقول ألف لام ميم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف، فلك اللهم الحمد والنعمة والفضل والمنة، على جودك وإحسانك على عبادك الفقراء المحتاجين المضطرين إلى فضلك، ونوالك ما أعظم الأجر، وما أكثره في تلاوة كلام ربنا العظيم، كلام ربنا الكريم، كلام ربنا المجيد: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ).

 أيها المسلمون: احترموا كلام الله عز وجل، أقرءوه بخشوع وخضوع ما استطعتم، وتدبروا ما فيه من الأحكام الشرعية، وما فيه من الأخبار النافعة والقصص الحسنة، وما فيه من الزواجر الرادعة،  فإن الله تعالى يقول في كتابه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ)، (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)؛  اللهم اجعلنا من أهل كتابك الذين يتلونه حق تلاوته أناء الليل والنهار يا رب العالمين.

 أيها الأخوة، جاءنا من إدارة الأوقاف هنا في عنيزة أن نؤكد عليكم بالتزام ما وزع على المؤذنين، بأن يكون أذان العشاء في الساعة الثانية بالتوقيت الغروبي، أي بعد غروب الشمس بساعتين، ففي هذه الأيام تغيب الشمس بالتوقيت الزوالي الساعة السادسة والنصف، وعلى هذا فيكون أذان العشاء في الثامنة والنصف، جاءنا من إدارة الأوقاف أن نؤكد ذلك بناء على الخطاب الوارد من رئيس الأوقاف الذي هو ولي الأمر في هذه المسألة، لأنه نائب عن ولي الأمر العام، وهو مبني على خطاب من سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس البحوث العلمية، ولهذا أقول أنه ينبغي لنا ونحن مسلمون، مؤمنون بالله، إذا وردنا من ولاة أمورنا شيء أن نمتثل له، لأن ذلك من طاعة الله عز وجل، لأن الله يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)، فأنت إذا امتثلت أمر ولاة أمورك، فإنك بذلك ممتثل لأمر الله عز وجل، فأنوي التقرب إلى الله تعالى بامتثال هذا الأمر، لأن الله أمرك به وكل شيء أمرك الله به فإنه عبادة وطاعة، فانووا أيها الأخوة بتنفيذ أوامر ولاة الأمور، انووا التقرب بها إلى الله، فإن ذلك يقربكم إلى الله عز وجل، نعم، إذا أمر ولاة الأمور بمعصية الله عز وجل، فإنه لا طاعة لهم لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، والأمر الذي ورد بتأخير أذان العشاء إلى الساعة الثانية، أو إلى ما بعد ساعتين بعد الغروب ليس معصية لله عز وجل، بل إن النبي -صلى الله عليه وسلم صلى- ذات يوم صلاة العشاء بأصحابه، وقد مضى عامة الليل، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي، وهذا يدل على أنه كلما تأخر الإنسان في صلاة العشاء، فهو أفضل إلا أن يشق.

 أيها الأخوة، إن الذي ينبغي لنا في هذه وغيره أن نكون لله تعالى مطيعين سامعين، وأن نمتثل أمره بما أمر به، وأن نعلم أن الخير كل الخير في طاعة الله عز وجل، سواء كرهنا أم لم نكره ولهذا، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "على المرء المسلم السمع والطاعة، فيما أحب، وفيما كره، ما لم يؤمر بمعصية"؛ اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من الممتثلين لأمرك، التابعين لمرضاتك يا رب العالمين.

 وأعلموا أيها الأخوة، إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي، هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة في دين الله بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، فعليكم بالجماعة، فإن يد الله على الجماعة ومن شذ، شذ في النار.

 وأعلموا: أن الله أمركم بأمر بدأه بنفسه، فقال جل من قائل عليما:(إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً).

 اللهم صلى وسلم على عبدك ورسولك محمد، اللهم صلى وسلم على عبدك ورسولك محمد، اللهم صلى وسلم على عبدك ورسولك محمد، اللهم أجزه عنا أفضل ما جزيت نبياً عن أمته، اللهم ارزقنا محبته وأتباعه ظاهراً وباطناً، اللهم توفنا على ملته، اللهم احشرنا في زمرته، اللهم أدخلنا في شفاعته، اللهم اسقنا من حوضه، اللهم أجمعنا به في جنات النعيم مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

 اللهم أرض عن خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي أفضل أتباع المرسلين.

 اللهم أرضى عن زوجاته أمهات المؤمنين وعن أصحابه أجمعين وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم أرضى عنا معهم وأصلح أحوالنا كما أصلحت أحوالهم يا رب العالمين.

 اللهم أصلح للمسلمين ولاة أمورهم، اللهم أصلح للمسلمين ولاة أمورهم، اللهم أصلح للمسلمين ولاة أمورهم، اللهم أجعلهم شاكرين لنعمك، اللهم أجعل شكرهم زيادة في عبادتك لا لهواً ولا طرباً ولا رقصاً ولا صفيرا، اللهم أجعلهم شاكرين لنعمك ودفع نقمك حق الشكر، اللهم لا تجعلهم عند دفع النقم من اللاهيين اللاعبين الذين يقابلون هذا بالطرب ويقابلون هذا بالرقص والصفير، فإن ذلك ليس من شكر النعمة، بل هو في الحقيقة من كفر النعمة، نسأل الله لنا ولكم العافية.

 اللهم أنصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم أنصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم أنصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان يا رب العالمين، اللهم إنا نسألك أن تجعل من أراد بالمسلمين بسوء إن تجعل أمره فاسداً، وأن تجعل تدبيره تدميراً عليه، اللهم من أرادنا بسوء، فأجعل كيده في نحره، وشتت شمله، وفرق جمعه، وأهزم جنده، وأجعل بأسهم بينهم يا رب العالمين، وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم أخذلهم وأذلهم وأكتب عليهم الخذي والعار إلى يوم القيامة، إنك على كل شيء قدير.

 عباد الله، إن الله يأمر بالعدل، والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى الفحشاء، والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم، ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا، إن الله يعلم ما تفعلون، واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون .

( موقع فضيلة الشيخ العلامة ابن عثيمين –رحمه الله -)

الشيخ: 
محمد بن صالح العثيمين