صوم رمضان

الحمد لله الذي أبان لعباده شرائع الدين، وحد لهم الحدود والمعالم، ليعبدوه على بصيرة ويقين، وأشهد الا اله الا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الداعي إلى الله على بصيرة، هو من اتبعه من المؤمنين، صلى الله عليه، وعلى آله، وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما .

أما بعد:

أيها الناس، اتقوا الله تعالى، واشكروه على ما أبان لكم من شرائع دينكم، حتى أصبح - ولله الحمد- جليا بمسائله ودلائله، يشترك في علم ضرورياته العامة والخاصة، وينفرد في علم مكملاته الخاصة، ألا وان مما شرعه الله تعالى وأوضحه وأبانه لعباده وأظهره، ذلكم الصيام الذي هو أحد أركان الإسلام، فقد بين الله تعالى ابتداءه وانتهاءه، شهريا ويوميا، بين ذلك في كتابه وعلى لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم-، قال الله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- : "إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فافطروا، فان غم عليكم، فأكملوا العدة ثلاثين"، هذا هو بيان الابتداء والانتهاء جليا، أما بيانه يوميا، فقد قال الله تعالى: (فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ)، الخيط الأبيض: بياض النهار؛ والخيط الأسود: سواد الليل؛ وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه: "كلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم، فانه لا يؤذن حتى يطلع الفجر"، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "إذا أقبل الليل من ها هنا، وأشار إلى المشرق وأدبر النهار من ها هنا، وأشار إلى المغرب، فقد أفطر الصائم"، فهذا بيان ابتداء الصوم والفطر يوميا، فمتى شاهد الإنسان الفجر، الفجر المعترض في الأفق، أو سمع المؤذن الثقة الذي لا يؤذن حتى يطلع الفجر، وجب عليه الإمساك، ومتى شاهد قرص الشمس غائبا في الأفق ولو كان شعاعها باقيا في السماء، أو سمع المؤذن الثقة الذي لا يؤذن حتى تغرب الشمس، حل له الفطر.

 أيها الناس، إذن فالصوم هو الإمساك من طلوع الفجر إلى غروب الشمس عن المفطرات، والمفطرات سبعة أنواع: الاول: الجماع؛ والجماع: هو أعظم المفطرات، وأشدها وفيه الكفارة المغلظة إذا حصل في نهار رمضان ممن يجب عليه الصوم، وكفارته عتق رقبة، فان لم يجد فصيام شهرين متتابعين لا يفطر فيهما يوما واحدا إلا من عذر، فان لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، وهذه الكفارة واجبة على الرجل وعلى المرأة وان طاوعته، أما إن أكرهها على ذلك فان الكفارة عليه وحده وليس عليها كفارة ولا قضاء؛ الثاني: من المفطرات إنزال المني باختياره بتقبيل أو لمس أو ضم أو استمناء، وهي العادة السرية كما يقولون أو غير ذلك، فإذا أنزل المني بهذه الأسباب فقد أفطر، أما إذا أنزل المني بالاحتلام فانه لا يفطر، لأن الاحتلام من نائم، والنائم لا اختيار له؛ الثالث: الأكل والشرب وهو إيصال الطعام أو الشراب إلى جوفه، سواء كان الطعام أو الشراب حلالا أم حراما، نافعا أم غير نافع، وسواء كان عن طريق الفم أو عن طريق الأنف، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "بالغ بالاستنشاق يعني في الوضوء إلا أن تتكون صائما"، فدل هذا على أن الداخل من الأنف كالداخل من الفم، فأما شم الروائح فانه لا يفطر ولو أحس بطعمها في حلقه، وذلك انه ليس للرائحة جرم يصل إلى الجوف، وكذلك ما يستعمله بعض الناس لضيق التنفس من هذا الغاز الذي يبخونه في الفم أو في الأنف، فانه لا بأس به إذا احتاج الإنسان إليه وليس يفطر به، لان هذا الرذاذ الذي يخرج يتطاير لكونه غازا فلا يصل إلى المعدة، وعلى هذا فالذي أصيب بضيق التنفس لا بأس أن يستعمل هذا البخاخ يبخه في فمه أو في أنفه، إذا احتاج إليه، وصومه ليس فيه بأس؛ الرابع: ما كان بمعنى الآكل والشرب مثل الإبر المغذية التي يستغنى بها عن الطعام والشراب، لأنها بمعنى الطعام والشراب، فأما غير المغذية فإنها لا تفطر سواء أخذت للتداوي أم لتنشيط الجسم وتقويته، وسواء أخذت مع العرق أم مع العضلات، وسواء أحس بطعمها في حلقه أم لم يحس بذلك، كل هذه الأنواع من الإبر لا تفطر الصائم، لأنها ليست بمعنى الآكل والشرب، والأصل بقاء الصيام حتى يثبت ما يفسده بنص أو إجماع أو قياس صحيح؛ الخامس: من المفطرات إخراج الدم بالحجامة، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- "أفطر الحاجم والمحجوم"، فأما أخذ الدم من البدن لفحصه، فلا يفطر، لأنه يسير لا يؤثر على البدن تأثير الحجامة ولا يفطر الصائم بخروج الدم بالرعاف ولو كثر، لأنه بغير اختياره، ومثل ذلك: لو خرج الدم من جرح سكين أو زجاجة أو حادث ولو كثر، لأن ذلك بغير اختياره ولا يفطر الصائم إذا خرج الدم من قلع السن أو الضرس، لكن لا يبلع الدم، لان بلع الدم حرام على الصائم وغيره، فإن وصل شيء من الدم بعد قلع الضرس أو السن، إذا وصل شئ من الدم إلى جوفه بغير اختياره فلا حرج عليه، ولا يفطر الصائم بشق الجرح لإخراج المادة منه ولو خرج مع ذلك دم، فأما فحص الدم من شخص ليحقن في شخص آخر فانه يفطر، لأنه كثير يؤثر على البدن تأثير الحجامة، وعلى هذا فمن كان صائما بصوم واجب فانه لا يجوز له أن يمكن من سحب الدم منه لشخص آخر، إلا أن يكون الشخص الآخر مضطرا لا يمكن أن يصبر إلى الغروب، فانه حينئذ لا باس أن يسحب من دم الصحيح لإنقاذ هذا المريض، ولكن إذا سحب منه الدم لهذا العذر فانه يجوز لمن سحب منه أن يأكل ويشرب بقية يومه، ويقضي يوما مكانه؛ السادس: القي وهو إخراج ما في معدته من طعام أو شراب، فان خرج القيء بنفسه من دون تعمد، فلا حرج عليه، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من ذرعه القيء أي غلبه فليس عليه قضاء ومن استقاء عمدا فليقض"، وهذه المفطرات الستة لا تفطر الصائم إلا إذا فعلها عالما ذاكرا مختارا بثلاثة شروط ، إذا فعلها عالما ذاكرا مختارا، فان فعلها جاهلا لم يفسد صومه سواء كان جاهلا بالحكم أم جاهلا بالوقت، فمن أكل يظن أن الفجر لم يطلع، ثم تبين له أن الفجر قد طلع، فصومه تام ولا قضاء عليه، ومن أكل يظن أن الشمس قد غربت، ثم تبين أنها لم تغرب، فصومه صحيح ولا قضاء عليه، لقول الله تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ)، وفي صحيح البخاري عن أسماء بنت أبى بكر -رضي الله عنهما- قالت: أفطرنا على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- في يوم غيم، ثم طلعت الشمس، ولم يذكر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمرهم بالقضاء، فلو كان القضاء واجبا لأمرهم به النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولو أمرهم به لنقل إلى الأمة، لأنه من الشرع الذي تكفل الله تعالى ببيانه وأوجب على رسوله -صلى الله عليه وسلم- تبليغه، لكن متى علم الإنسان انه في نهار وجب عليه أن يمسك، فان استمر بعد علمه بطل صومه، ومن أتى شيئا من المفطرات ناسيا فصومه تام ولا قضاء عليه، لو شرب الإنسان ناسيا أنه صائم حتى روي أو أكل حتى شبع وهو ناس أنه صائم فصومه تام ولا قضاء عليه، لقول الله تعالى: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من نسي وهو صائم فأكل أو شرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه"، لكن متى ذكر، أو ذكر وجب عليه أن يمسك، حتى الذي في فمه يجب عليه أن يخرجه منه، فان بلعه بعد أن ذكر بطل صومه، ومن رأى صائما يأكل أو يشرب ناسيا فليذكره، فإنه من التعاون على البر والتقوى، ومن حصل عليه شيء من المفطرات بغير اختياره، فصومه صحيح، فلو طار إلى جوفه غبار، أو تسرب إليه ماء من المضمضة، أو الاستنشاق، أو اجتذب الماء، أو البنزين باللي، فوصل إلى جوفه شيء منه بغير اختياره، فصومه صحيح ولا قضاء عليه؛ النوع السابع: من المفطرات خروج دم الحيض والنفاس من المرأة، فمتى خرج الحيض من المرأة أو النفاس قبل الغروب ولو بلحظة بطل صومها، وأما إذا خرج بعد الغروب ولو بلحظة، فان صومها صحيح ولا قضاء عليها، وان بعض النساء يظن أن الحيض إذا خرج بعد الغروب وقبل صلاة المغرب، فإنه يفسد الصوم، ولكن هذا ليس بصحيح، لأنه متى غابت الشمس والحيض لم يخرج، فان الصوم تام ولو خرج الحيض بعد الغروب بلحظة، ويجوز للصائم أن يكتحل بأي كحل شاء، وأن يقطر دواء في عينه أو أذنه ولا يفطر بذلك، ولو وجد طعمه في حلقه، ويجوز للصائم أن يداوي جروحه، وأن يتطيب بالبخور وغيره، لكن لا يستنشق دخان البخور فيصل إلى جوفه، ويجوز للصائم أن يفعل ما يخفف عنه مشقة الحر والعطش، كالتبرد بالماء والنوم عند المكيف وبل الثوب ونحو ذلك، فان هذا من نعمة الله تعالى التي أنعم بها على عباده، ليخف عليهم بذلك تعب الصيام، وقد روى مالك عن بعض أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- يصب الماء على رأسه من العطش أو من الحر يعني وهو صائم وبل ابن عمر ثوبه وألقاه على بدنه، ويجوز للصائم إذا نشف فمه أن يتمضمض، ولا يضره إذا لم يبتلع شيئا من الماء، ويجوز أن يستاك في أول النهار وآخره، فالاستواك سنة في حق الصائم وغيره، متأكد عند الوضوء والصلاة والقيام من النوم، ودخول البيت أول ما يدخل، فان الرسول -صلى الله عليه وسلم- أول ما يدخل بيته يبدأ بالسواك.

 أيها المسلمون، أحفظوا صيامكم، وحافظوا عليه والتزموا فيه حدود الله غير مغالين ولا مفرطين، فإن دين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه، وتسحروا، فان في السحور بركة، وأخروا السحور، فان تأخيره أفضل، وأفطروا إذا غابت الشمس، وبادروا بالفطر، فلا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر، وأفطروا على رطب، فان لم يكن فعلى تمر، فان لم يكن فعلى ماء فانه طهور، فان لم يوجد ماء فعلى أي طعام أو شراب حلال، فان غربت الشمس، وأنت في مكان ليس فيه ما تفطر به، فانوي الفطر بقلبك، ولا تمص أصبعك أو تعلق ثوبك كما يظنه بعض العوام، وحافظوا على طاعة ربكم وأكثروا منها في صومكم، واجتنبوا ما حرم الله عليكم من اللغو والرفث وقول الزور والعمل به، وإذا سابك أحد وأنت صائم أو شاتمك فقل: إني صائم واتركه، أقيموا الصلاة جماعة في المساجد ولا تهاونوا بها فتضيعوها، واعلموا أن كل واجب ضيعتموه أو محرم فعلتموه، فإنه نقص في إيمانكم وصيامكم، ابتعدوا عن استماع المعازف وآلات اللهو من الراديو أو غيره، فان الصوم جنة يتقي بها الصائم من الآثام وينجو بها من النار، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه".

 اللهم احفظ علينا ديننا، اللهم احفظ علينا ديننا، اللهم احفظ علينا ديننا ورغبنا فيه وثبتنا عليه، اللهم لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، اللهم هب لنا من لدنك رحمة انك أنت الوهاب، اللهم اجعلنا في شهرنا هذا من الفائزين بالعتق من النار الحريصين على ما يقربنا إليك يا ذا الجلال والإكرام، اللهم وفقنا فيه لصالح الأعمال وجنبنا فيه سيء الأعمال واجعلها لنا هدى وتقى يا رب العالمين، اللهم صلي وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد، وعلى آله، وأصحابه، وأتباعه إلى يوم الدين.

 

الخطبة الثانية:  

  الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا، قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه، ويبشر الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا، ماكثين فيه أبدا، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا، ماكثين فيه أبدا، وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وكان الله على كل شئ قديرا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله الله تعالى إلى خلقه بشيرا ونذيرا، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الآمة، فجزاه الله تعالى عن أمته خير الجزاء، وصلى الله وسلم عليه، وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الجزاء.

أما بعد:

أيها الناس، فإن هذا الشهر هو شهر القران الذي نزل فيه، كما قال ربكم تبارك وتعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ)، ولدراسة القران في هذا الشهر مزية على غيره، فقد كان جبريل يدارس النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الشهر.

 أيها المسلمون، إن القران كلام الله إنه كلام رب العالمين، إنه كلام من يقول للشيء كن فيكون، إنه كلام الملك الأعلى القوي القهار، فاعتنوا بهذا الكلام، اعتنوا به اعتناء بالغا، واحفظوه وادرسوه، فان لكم بكل حرف منه عشر حسنات لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف، فإذا قرأ القارئ الم كان له بذلك ثلاثون حسنة، ثلاثون حسنة يجد أجرها وثوابها يوم القيامة عند الله عز وجل، فاحرصوا على دراسة القران ولا سيما في هذا الشهر، ليلا ونهارا، صباحا ومساء، وإذا مررتم بأية سجدة، فاسجدوا ولا تدعوا السجدة، فإنها سنة مؤكدة، اسجدوا في أي وقت قرأتم، سواء كان ذلك في الصباح أو في المساء، ولا نهي عن سجود التلاوة، لأنه تابع للتلاوة، ولان كل صلاة لها سبب فانه تابعة لسببها متى وجد سببها فعلت، ولا نهي عنها على القول الراجح عند أهل العلم، وإذا كنتم في صلاة ومررتم بآية سجدة فاسجدوا، وكبروا إذا سجدتم، وكبروا إذا قمتم من السجود، أما إذا سجدتم في غير الصلاة، فلا تكبروا إلا عند السجود، وارفعوا من السجود بدون تكبير ولا تسليم، فانه لم يرد عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يكبر إذا سجد خارج الصلاة، لم يرد إنه يكبر إذا قام من السجود، ولا يسلم، وخير الهدي، هدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- .

 واحرصوا أيها المسلمون، على القيام، والقيام: هي هذه التراويح التي أصبحت عند كثير من الناس عادة ولعبة، حتى إن بعض الأئمة -نسال الله لنا ولهم الهداية- لا يقومون بواجب الأمانة التي حملوها، لا يقومون بالواجب، فتجدهم لا يطمئنون في هذه التراويح، بل يسرعون فيها إسراعا مخلا بالكمال، وربما كان مخلا بالواجب، فلا ينصحون لمن وراءهم، والواجب على من ولاه الله على أمر أن يفعل ما هو أكمل وأنفع، فالإنسان إذا كان يصلي وحده، فله الحق أن يسرع إسراعا لا يخل بالواجب، وله الحق أن يطيل، وأما إذا كان يصلي بجماعة، فإنه أمين عليهم، فالواجب عليه أن يصنع ما هو الأكمل في حقهم، خلافا لما يفعله بعض الأئمة الذين اتخذوا هذه العبادة عادة، وإن هذه التراويح، أيها الأخوة: إنها لهي قيام رمضان، فإذا لم نعتقد أنها قيام رمضان، وإذا لم نؤدها على أنها قيام رمضان، وإذا لم نطمئن فيها، ونسأل الله فيها، ونسبح بهدوء وطمأنينة، فمعنى ذلك أننا لم نقم رمضان، ومعنى ذلك أيضا أنه فاتنا قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه"، وينبغي للإنسان إذا دخل مع إمام في هذه التراويح أن يبقى معه حتى يتم صلاته وينصرف الإمام، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة"، وكثير من الناس ينصرف قبل أن تنتهي التراويح، فيحرم نفسه هذا الخير العظيم، وبعض الناس الذين يتهجدون في آخر الليل ينصرفون قبل أن يوتر الإمام، وهؤلاء حرموا أنفسهم قيام الليل، فإن الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول: "من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة"، وعلى هذا، فالأفضل أن يبقى مع الإمام ويوتر معه، لأنه يحصل بذلك قيام ليلة كاملة مع اليسر والسهولة له، وإذا أتى أحدكم إلى المسجد، وقد صلى الإمام صلاة الفريضة ووجدهم يصلون صلاة التراويح، فلا بأس أن يدخل مع الإمام بنية الفريضة، فإذا سلم الإمام من صلاة التراويح، أتم صلاة الفرض نص على ذلك الإمام أحمد -رحمه الله-، ولكن إذا كان معه آخر فإن الأولى أن يصليا الفريضة وحدهما، ثم يدخلا مع الإمام بعد في التراويح، إنما إذا جاء الإنسان وحده، فإنه ينبغي أن يدخل مع الإمام في التراويح، ولو اختلفت النية، فإن الإمام ينوي التراويح، وهذا الداخل ينوي الفريضة صلاة العشاء، ولا حرج عليه في ذلك، فإذا أتم الإمام التراويح، قام فأتم ما بقي عليه من صلاة العشاء.

 أيها المسلمون، حافظوا على هذه الأوقات العظيمة، فإنها غنيمة وان فواتها خسارة، واسألوا الله تعالى العون، والتوفيق فإنه يقول: (وَإذا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إذا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)، واحرصوا على الدعاء عند الإفطار، فان للصائم عند فطره دعوة لا ترد.

 اللهم إنا نسألك أن توفقنا في شهرنا وفي عمرنا كله لما تحب وترضى يا رب العالمين، اللهم هيئ لنا من أمرنا رشدا، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم .

عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم، ولا تنقصوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا، إن الله يعلم ما تفعلون، واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

( موقع فضيلة الشيخ العلامة ابن عثيمين – رحمه الله -)

الشيخ: 
محمد بن صالح العثيمين