أحكام الصيام

 إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهديه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيرا إلى يوم الدين.

 أما بعد:

فيأيها الناس: اتقوا الله تعالى حق التقوى.

 أيها المسلم: إن الله ائتمنك على دينك، ائتمنك على حصر إسلامك، فأمرك بإخلاص الدين له، وقصده بالعبادة دون سواه، وإن يكون مرادك بأي عمل تعمله، ابتغاء وجه الله، والتقرب إليه بما يرضيه: (إِنَّا أَنْـزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّين)، (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)، فإخلاص أمانة بينك وبين ربك، في أمور طاعاتك، فإن قصدت بها وجه الله أثبت عليها، وإن أردت رياء الناس وسمعتهم ومديحهم، فإن ذاك خسارة عليك، وفي الحديث يقول الله: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري، تركته وشركه، -وفي لفظ- وأنا منه بري)، ائتمنك ربك على فرائض الإسلام، على الصلاة، على طهارتها، على الوضوء على أدائها، ائتمنك على الزكاة، وعلى إخراجها وإحصائها، وائتمنك على حج بيت الله الحرام، لتؤدي المناسك على الوجه المرضي، وائتمنك على واجبات كثيرة، تؤديها طاعة وإخلاصاً لله، ومما ائتمنك الله عليه، على فريضة الصيام، فالصيام: أمانة بينك وبين ربك، سر بينك وبين ربك، لا يطلع عليه إلا الله، فلما عظمت أمانة الصيام أضاف الله الصيام إليه، الصوم لي، وأنا أجزي، يدع طعامه وشرابه وشهوته لأجلي، إذاً فالصوم أمانة لدى الصائم، أمانة لدى الصائم في أن يجتنب ما يفسد الصيام، وينقص ثوابه ويقلل أجره.

أيها المسلم الصائم: أنت أمين على صيامك، في كل المفسدات التي تفسد هذا الصوم، وتنافي حقيقته، أنت أمين عليه، فكلما عظمت أمانته، وعظم وفائك، صرت من الصائمين حقا، وأرجو من الله أن يحقق لي، ولك، ولسائر المسلمين.

أيها المسلم: أجمع المسلمون على أن من تعمد في نهار رمضان، الجماع أو الأكل أو الشرب، فإن ذلك منافٍ للصيام ومفسد له، هذا ...، لأنها حقيقة الصيام في الشرع، الإمساك عن الأكل والشرب ومواقعة النساء، منذ طلوع الفجر الثاني، أي أذان الفجر إلى غروب الشمس، كانوا في أول الإسلام، إذا صاموا وأفطروا، أبيح لهم بعد الفطر أن يأكلوا ويشربوا ويأتوا النساء، ما لم يصَلُّوا العشاء، وما لم يناموا، فشق ذلك عليهم، فأباح الله لهم الأكل والشرب ومباشرة النساء، من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الثاني: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ)، وقال (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا... الآية)، إذاً فأعظم مفسد للصيام أن يأتي الرجل امرأته في نهار رمضان، وهما مقيمان غير مسافرين، فإن ذلك منافٍ للصيام، بل هو من كبائر الذنوب، بل لو اعتقد إنسان جواز ذلك، لكان كافراً لكونه مكذباً لله ورسوله، في عهد محمد -صلى الله عليه وسلم- جاءه رجل فقال: ( يا رسول الله: هلكت، وأهلكت، هلكت، وأهلكت: يعني وقعت في هلكة وأوقعت غيري كذلك، قال ما شئنك: قال أتيت امرأتي في رمضان، قال: هل تستطيع أن تعتق رقبة؟ قال: لا، قال: هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: هل تستطيع أن تطعم ستين مسكينأ؟ قال: لا، فأتي النبي بعرق تمر، فيه قدر الكفارة، فقال خذ هذا وتصدق به، فقال: يا رسول الله على أفقر مني؟ فو الله ما بين لابتي المدينة أهل بيت أفقر من أهلي بيتي، فضحك -صلى الله عليه وسلم- حتى بدت أسنانه، فقال: خذه وأطعمه أهلك)، إذاً فهو مستقر عندهم أن ذلك منافٍ للصيام، ومفسد للصيام وهلكتٌ، ولكن ابن آدم بشر، والمعصوم من عصم الله.

أيها المسلم: فكن حذراً من هذه المشكلة، وكن بعيداً عن كل وسيلة تثير الغريزة، وربما يفلت الزمام منك، ولا تستطيع السيطرة على نفسك، فالحذر الحذر، والبعد البعد، عن كل ما يمكن إثارة ما لا تستطيع إدراكه وتلاشيه.

 أيها المسلم: وإذا كان الجماع مفسداً للصيام، ومنافياً له، فكذلك وسائل المفضية إليه، ولهذا حرم على المسلم في صيام رمضان أن يحاول إخراج المادة المنوية، بأن، بأن يكرر النظر لبعض المشاهد الهابطة، وبعض المسلسلات الخبيثة في نهار الصيام، من أقوام يعرضون مسلسلات هابطة، ومشاهدة سيئة، ربما تفسد عقل الإنسان، وتثير شهوته، فيقع المحذور، فيفسد صومه، وأما إنزال المادة من طريق الاحتلام، فهذا أمر معذور منه، لأنه لا استطاعة له بدفعه.

 أيها المسلم: وحرم على المسلم في نهار رمضان، أن يتعمد أكلاً أو شرباً، لأنه صام تقرباً إلى الله، فلا يجوز أن يتعمد مأكولاً أو مشروباً في نهار رمضان، بل هو يدع ذلك عن إيماناً وخوفٍ من الله جل وعلا، عن إيماناً وخوفٍ من الله جل وعلا، أما لو وقعت أكل أو الشرب عن نسيان، فإن ذلك معفو عنه، ولذا النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (من أكل أو شرب ناسيا، فليتم صومه فإنما أطعمه الله، وسقاه)، لكن المسلم عامداً يمنعه إيمانه، ويحجزه إسلامه، ومعرفة أن الله مطلع عليه، والله مراقب لسره وعلانيته.

 أيها المسلم، أيها المسلم: فإذا كان تعمد الأكل والشرب مفسد للصيام بلا إشكال، فكذلك لا يقوم مقام المأكول أو المشروب، وهي الإبر التي يتعاطاه المريض، لتكون عوضاً عن عدم أكله وشربه، فتكون هذه المغذيات قائمةً مقام تناول الطعام والشراب من طريق الفم أو الأنف، فإن هذه الإبر المغذية هي لها حكم تناول الطعام والشراب، يسعى المريض إليها وتنفعها ويعذب، فإنه يفطر ويقضي ذلك اليوم، يوم تلك الأيام التي أفطره.

 أيها المسلم، أيها المسلم: ومما ينبغي التنبه إليه أن إخراج الصائم الدم من طريق إخراج الصائم، الدم لإسعاف مريض أو محتاج لذلك، أن إخراج الدم وسحبه أن ذلك مفطر لصيامه، لأنه في حكم الحجامة، والنبي يقول: (أفطر الحاجم، والمحجوم)، فإذا اضطررت إلى إسعاف أحد بشيء من دمك، لحاجة مريض، تقرباً إلى الله، فإنك تسعفه وتقضي ذلك اليوم، لأن هذا الدم الخارج قد يؤدي إلى إضعافك، وعدم قدرتك على مواصلة الصيام.

 

 أيها المسلم، أيها المسلم: هناك أمر لابد من التنبيه عليها؟ وقد تشكل على بعض الناس، فإستعمال البخاخ من طريق الفم أو من طريق الأنف، مما للحساسية أو الربو أو نحو ذلك، ممن يضطرون إلى ذلك، أن ذلك لا ينافي صيامهم ولا يؤثر على صيامهم، لأن هذه إنما هو توسعة للقصابات الهوائية، ضغط غازيٌ إنما ينفع فقط لأجل توسعة الأشياء، وليس طعاماً يأكل ولا شرابا، وإنما هو لحاجة وضرورة، ولا يقوم مقام الطعام والشراب فلا يؤثر ذلك على الصائم.

 أيها المسلم، أيها المسلم: إن احتجت إلى الفطر في سفرك، فلا تتحرج، ولا تقول إني أمسكت أول النهار فيجب أن أكمله، كالذين يذهبون إلى العمرة أحيانا، قد يصيبهم من التعب والجهد في أثناء اليوم ما لله به عليم، يمنعهم من الفطر أنهم ابتدءوا الصيام في أول النهار، وأنه لا يجوز لهم الفطر بعد ذلك، وهذا فهم خاطئ، فمحمدٌ -صلى الله عليه وسلم- في أحد أسفاره كان صائماً محرماً نهار، فلما رأى الضعف لأصحابه أفطر وأمرهم بالفطر، بل قال مهدداً للذين لم يفطروا، أولئك العصاة، أولئك العصاة، لأن فطرك أيضاً إشعار منك بقبول نصرة الله لك، فإن الله يحب أن يحب تؤتى رخصه، كما يكره أن تأتى معصيته؛ ومما ينافي الصيام، خروج دم الحيض، ولو قبل المغرب بقليل، فإن دم الحيض منافيٍ للصيام، سواءً كان في كل النهار، أو في آخر جزء من النهار قبل غروب الشمس، فإذ رأت المسلمة الحيض قبل غروب الشمس، فإن صيامها ذلك اليوم يعتبر لاغياً وعليها أن تقضي يوماً آخر، أما إن خرج بعد غروب الشمس، فإن الصوم صحيح، لأنها استكملت النهار كله صائمة.

أختي المسلمة، أختي المسلمة: لأنه أن يشكل عليك أمور، وهذا من خلال الأسئلة المتكررة المتعددة، أن بعض الأخوات أشكل عليهن أموراً في صيامهن، فمن ذلك: أن بعضهن يسألن، ويقولن: إنه مضى في شبابهن شهورٌ من رمضان لم يصمن ذلك الرمضانات، لماذا؟ قالوا: لأجل التعب والمشقة، ولأجل الرعي، ولأجل الزراعة وغير ذلك، ثم يتعللن بأن الأمهات والأباء لم يأمروهم بالصيام، لأجل العمل والإنتفاء بذلك، فتسأل المسلمة عن موقفها من تلك الرمضانات التي أفطرت عليها، جهلا بل الأمر، وعدم نصيحة الأب والأم لها بالصيام، نقول لها: احسب تلك الأيام التي أفطرتيها، واقضيها، وأطعمي مع كل يوم مسكين، ولو صمتيها متفرقة، فإن ذلك لابد منه، لأن هذا الإفطار لم يكن بإذن شرعي؛ أحد الأخوات يسألن كثيراً منهن عن أن بعضهن ربما صمن أيام الدورة الشهرية، حياءً، وخجلاً أن يخبرن أن الحيض قد طرقهن، فنقول أيضاً: تحصى تلك الأيام وتصام، ويطعم مسكين مع كل يوم مع القضاءواصعام المسكين.

أختي المسلمة: يكاد بعض الأخوات أنهن يحصل لهن إجهاض، وهذا الإجهاض قد يكون عمر النطفة، عمرها أقل من ثمانين يوما، ربما أسقطت في شهرين أو شهراً أو شهرين أو سبعين يوما، المقصود أنه علقة لم يصر مضغة، ولم يبلغ واحدة وثمانين، ولم يتخلق ذلك السقط، فنقول هذا تصوم المرأة، وتصلي ولو كان الدم يخرج منها، لأن هذا لا يعتبر دم نفاس، وإنما يعتبر دم فساد فلا معول عليه؛ بعض الأخوات يسألن كثيراً، أن بعضهن حريصات على الصيام، وحريصات على قيام ليلي رمضان، وحريصات على العمرة، وحريصات على قضائها في بيت الله الحرام إلى غير ذلك، فيتسألن عن استعمال الحبوب المانعة، والرافعة للدم وقت رمضان، هل هذا العمل يعتبر أيضاً وعملاً صالحاً، أم لا؟ فنقول يا أخواتي المسلمات: إن الله جل وعلا جعل خروج دم الحيض دليلاً على اعتدال صحة المرأة، وسلامتها، وانتظام صحتها، فهو دليل مؤشر على مدى انتظام صحتها، وكذلك قوتها، وإذا حاولت إيقاف هذه الطبيعة، فإن ذلك يترك عليها آثار سيئة، وربما افترضت عليها الدورة في شهر سائر شهورها، فحصل عليها نقص في طهارتها وعبادتها، فنقول: هذه الحبوب ونحوه ينبغي للمرأة أن تتركها، ولا تتعاطها أبدا، لأنها إن أرادت الخير فلتعلم أن هذا الحكم الشرعي الذي حكم به ربنا، بوجوب فطر رمضان ووجوب قضائه، هذا الحكم الشرعي لابد منه، ثم أنت أيضاً إذا أفطرت لأجل الدورة الشهرية، فلا نقص عليك في دينكِ، ولهذا يقول -صلى الله عليه وسلم-: (إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له ما كان يعمل صحيحاً مقيما)، قيل لبعض السلف أرايت الحائط والنفساء والمريض والمسافر ألهم من ليلة القدر نصيب، قال من تقبل الله منه فله من ليلة القدر نصيب، فلا تعتدي على ذلك، واجتنبي تلك الأمور التي ضررها أكثر من نفعها، الأخوات كثيرٌ منهن يتسألن، ويزد عليهن أسئلة كثيرة، عندما تحاول المرأة ربط الرحم ومنع الولادة، فتضطرب الدورة الشهرية عليها في حياتها، وتبقى لا تدري كم آتتها، متى تصوم؟ ومتى تصلي؟ إلى غير ذلك، ولاشك أن هذه الأمور إذا لم يكن استعمالها خاضعً لتوجيهات طبيب المختص، تركت أثراً سيئةً على المرأة، فنقول لها عند هذا الإضطراب وعدم الإستقرار، يجب على المرأة أن تنظر الأيام التي كانت تأتيها دورتها فيها، فتترك الصيام والصلاة لأجلها، ثم تواصل الصلاة والصيام، وإن حصل الدم، لأن هذا اضطراب فلا ضابط له، إلا أيام العادة التي أرشد النبي -صلى الله عليه وسلم- المرأة المستحاضة بمراعاتها، وتتساءل الأخوات أيضاً، كثيرٌ منهن يتساءلن، متى الطهر؟ ومتى ذلك؟ فبعضهن ربما يضطرب الأمر عليهن، والنبي -صلى الله عليه وسلم- كما حصل في ... ، كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيء، فالصفرة التي تأتي المرأة قبل الحيض، أو بعده متصلة به فهي من حسابه، أما إذا وعت المرأة الطهر كاملاً، فإنما يحصل عليها لا تعتبره ما لم يكن دم حيض حقيقة فلا معول عليه.

أيها المسلم، أيها المسلم: إن الله جل وعلا رحيم بعباده، إن الله رحيم بالعباد جل وعلا، وميسر عليه من أمور: ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)، كل ذلك لأن هذه شريعة يسر، فلا حرج ولا خسارة ولا أغلال، يقول الله جل وعلا: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ)، (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ)، فليس في ديننا حرج، وليس في ديننا عسر، بل كل عسر فالتيسير يصحبه، وذاك بفضل الله علينا ورحمته، فلنهتم بصيامنا، ولنحفظه من كل المفسدات، سواءً قولية أو فعليةً، ولنصنه لعل الله أن يتقبله منا، ويجعلنا جميعاً من المقبولين لديه، فإن الله يقول: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)، وتفقه المسلم في دينه وحثه وسؤاله عما أشكل عليه، أمر مطلوب، يقول الله جل وعلا: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)، ويقول -صلى الله عليه وسلم-: (من يرد الله به خيرا يفقه في الدين).

أيها المسلم: إن خروج الدم منك، من غير اختيار، كخروجه من طريق الأنف أو الفم أو نحو ذلك، هذا لا يؤثر على صيامك، لأنك لست السبب في ذلك، أخذك الابر من طريق العروق أو العضل، لا يؤثر ذلك عليه، مداواتك للجروح الواقعة لا يؤثر ذلك على صيامك، فالصوم ولله الحمد فيه يسر وتسهيل، فلا حرج ولا آصال ولا اغلال، فالحمد الله على كمال هذه الشريعة، والحمد الله على ما اشتملت عليه من التيسير في الأمور كلها.

 أسأل الله أن يوفقنا وإياكم بما يحبه ويرضاه، من الأقوال والأعمال، أقولي قولي هذا واستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله، حمدأ كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحد لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله، وصحبه وسلم تسليماً كثيرا إلى يوم الدين.

 أما بعد:

أيها الناس: اتقوا الله تعالى حق التقوى.

 عباد الله: سارعوا إلى فعل الخيرات، في هذه الليالي والأيام المباركات، سارعوا إلى فعل الخير، أحسنوا لعباد الله، فرجوا هم المهمومين وكرب المكروبين، ويسروا على المعسرين، وارحموا الفقراء والمحتاجين، وأعينوا المدينين على قضاء ديونهم، واسعوا في الخير جهدكم لعلكم تفلحون، فهي أيام وليالي مباركة، الأعمال الصالحة مضاعفة فيها، أحفظوا صيامكم وصونوه، أن كل ما يفسده وينقصه لعلكم تفلحون، اغتنموا تلك الأيام والليالي في دعاء الله ورجائه، والافتقار إليه، وإنزال الحاجة به، وسؤاله التوفيق للخير، والهداية بالطريق المستقيم.

أيها الصائم: تمتنع عن الطعام والشراب من بعد أذان الفجر إلى غروب الشمس، أذكرك يا أخي، إن كنت قد ابتليت بداء التدخين، إن كنت قد ابتليت بداء التدخين، وصبرت هذا اليوم، وصبرت ثلاثين يوماً عليه، في نهار رمضان، أفلا يكون ذلك وسيطك؟ للتدرج في تركه، والتوقف عنه والبعد عنه، بعدما ظهر لك وأيقنت أنه ضار غير نافع، ومؤذ غير مفيد، وأنه ضرر لا نفع فيه، وشر لا خير فيه، وأن العقلاء متفقون على ضرره، ولا احد يصوبه ويحسنه، ولا أحد يثني عليه، إلا كاذبٌ وناقضٌ للواقع، فإذا كنت قد ابتليت به، فإنك في شهر عظيم، فلجأ إلى الله، لعل الله أن يعينك على تركه، في رمضان وغير رمضان، وتجنبه في تركه، قليلاً قليلاً، لعل الله أن يمن عليك، ويفتح على قلبك، فيريحك من هذا الداء الضار، النازف للأموال، الهادم للصحة، الجالب للأمراض المتعددة، كن حذراً ويقظاً يا أخي، هذا رمضان لعله أن يدربك، لعله أن يروض نفسك، لعله أن يمنحك قوة إرادة وعزيمة، فتصور هذا الخطر، وهذا المرض، وهذا الداء وهذا البلاء، فترفعوا عنه فإن الله على كل شيء قدير، لا يقف أمامك دعوة أن هذا أمر متأصل، وأن المدخن لا يمكن أن يبتعد عن التدخين، وأنه أمر داء عضال لا يمكن زواله، كل هذا دعاية باطلة، كل هذا أصبح من الوهن وعدم القدرة، أما الصائم ذو الإرادة الصلبة، والعزيمة الصادقة، فإنه يترفع عن هذا؛ ويسأل الله التوفيق.

أخي: إذا كنت في رمضان، تبتعدوا عن المعاصي، تغض بصرك، وتحفظ لسانك، فكن يا أخي في لياليه كذلك، وليكن ذلك معوداً لك على الخير والاستقامة، في رمضان وفي غيره، أسأل الله لي ولك صوماً مقبولا، وعملاً صالحاً مرفوعاً لربنا، أسأل الله أن يجعل أيامنا أيام خير وبركة، وأن يجعل سعينا مشكوراً وذنبنا مغفورا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

واعلموا رحمكم الله: أن أحسن الكتاب كتاب الله، وخير الهدي، هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله على الجماعة، ومن شذ، شذ في النار.

 وصلوا رحمكم الله: على نبيكم محمد -صلى الله عليه وسلم- امتثالاً لأمر ربكم، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)، اللهم صلي وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وارضَ، اللهم عن خلفائه الراشدين، الأئمة المهديين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعن التابعين، وتابعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وجودك وإحسانك يا ارحم الراحمين.

 اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، وانصر عبادك الموحدين، واجعل اللهم هذا البلد آمناَ مطمئنا وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين.

 اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمرنا، اللهم وفقهم لما فيه صلاح للإسلام والمسلمين.

 ربنا اغفر لنا ولأخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين امنوا ربنا إنك رؤوف رحيم.

 ربنا إنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على عموم نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

الشيخ: 
عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ