مفطرات الصيام

الحمد لله، إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونتوبُ إليه، ونعوذُ به من شرورِ أنفسِنا؛ ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، من يهدِه اللهُ؛ فلا مُضِلَّ له، ومن يضلل؛ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه صلَّى اللهُ عليه، وعلى آلهِ، وصحبِهِ وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدين.

أمَّا بعدُ:                                                                                       

فيا أيُّها الناسُ، اتَّقوا اللهَ تعالى حَقَّ التقوى.

عبادَ الله، من مبادئ هذه الشريعة الإسلامية تقويم سلوك العبد وتربية النفوس وتهذيب الأخلاق هذا في كل تشريعات الإسلام عبادة أو معاملة ومن ذلكم إخواني صوم رمضان تلك العبادة العظيمة التي هي ركن من أركان الإسلام هذه العبادة عبادة الصوم لم يشرع الصوم لأجل امتحان قدرتك على تحمل الجوع والظمأ لم يشرع الصيام لتعذيبك بالجوع والظمأ وامتحان قدرتك على ذلك ولكن شرع لغايات عظيمة وأهداف نبيلة ألا وهو تحقق التقوى في قلبك (آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، الصوم من أجل العبادات وأشرف القربات وطاعة مباركة في تزكية النفوس وإصلاح القلوب وحماية الجوارح من الفتن والشرور.

أيها المسلم، إن الصوم عبادة عظيمة وله فضائل كثيرة فأسمع إذن قول نبيك صلى الله عليك وسلم يحدثك عن الصيام وفضله ومكانته وعن آثاره في سلوكك في الأقوال والأعمال ففي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم قال: "كل عمل ابن آدم له قال الله إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به يدع طعامه وشرابه وشهوته لأجلي للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة يوم لقاء ربه ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك"، "والصوم جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرتد ولا يصخب وإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرئ صائم".

أخي المسلم، لنقف مع هذا الحديث وقفات عدة تأملًا لمعانية واستفادة منه وبيان فضل الله علينا لكي نؤدي الصيام ونحن في غاية اليقين من فضله وأن فضله عظيم وأن من رحمة الله بنا أن شرع لنا الصيام فمن رحمته بنا أن افترض علينا الصيام لأن هذا الصوم نجني منه أمورًا عظيمة ثوابًا عظيما وأخلاقًا وسلوكًا وآداب رفيعة حسنة "كل عمل ابن آدم له" وفي لفظ "كل عمل ابن آدم يضاعف"، أعمالك لك تجزى بها إن خيرًا وإن شر (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى)، فعملك لك ولن يأخذ أحد شيء منه إلا الغرماء الذين ظلمتهم في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم وإلا فالأصل أن عملك لك وأنت المستفيد منه إن خيرًا وإن شر والشر يقول الله: (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)، فكل عملك لك ومن فضل الله عليك أن جعل الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها أو يعفو الرب (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ)، وفي الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه أنه قال: "إذا هم عبدي بحسنة فلم يعملها فأكتبوها له حسنة فإن عمل بها فأكتبوا له بها عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة وإن هم عبدي بالسيئة فلم يعملها فلا تكتبوها فإن عمل بها فأكتبوها له سيئة واحدة".

أيها المسلم، كل عملك لك إلا الصيام أما الصيام فإن له خصوصية أخرى الصيام "كل عمل ابن آدم له إلا الصيام قال الله إنه لي قال الله إن الصوم لي إنه لي" أضاف صومك إليه تشريفًا وتقديرًا وثناء عليك فما أعظمه من نعمة أضافه الله إليه من باب التشريف والإكرام والتعظيم ورفع المنزلة إنه لله حقًا الصوم لي ثم قال: "وأنا أجزي به"، فهو لله والله جل وعلا هو الذي يتولى مزيدًا من الفضل والإحسان لماذا "الصوم لي وأنا أجزي به"، لأن الصائم عامل الله بالصدق في خلواته كما عامله في أثناء رؤية الناس له فهو يعامل الله بالسر آمن بالغيب وأن الله مطلع عليه وعالم بسره وعلانيته ترك مشتهيات النفس من طعام وشراب ونساء مع التمكن مع القدرة لكن هناك في القلب واعظ وهو معرفته بمراقبة الله له وإطلاع الله على سره وعلانيته "وأنا أجزي به"، "يدع طعامه وشرابه وشهوته لأجلي"، لأجل هذا عظم الثواب.

أيها المسلم، ثواب الصائمين لا يقدر بسبعمائة ضعف بل يضاعف أضعاف لا يعلم قدرها إلا الله أضعاف عظيمة يثاب بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر إن الأعمال الصالحة أحيانًا قد تتثقالها ولكن قوة الإخلاص وقوة الإيمان يجعل هذا العمل القليل منزلته كبيرة يثقل بها ميزان العبد ألا ترى البغي من بني إسرائيل سقت كلبًا فشكر الله لها فأدخلها الجنة قطع شجرة تؤذي الناس فغفر الله له فأدخله الجنة كل هذه الأعمال وإن قلت أحيانًا لكن قوة الإخلاص قوة اليقين قوة الإيمان تجعل هذا العمل اليسير يحتل منزلة رفيعة الصوم أخي المسلم يدع الصائم طعامه وشرابه وشهوته لله جل وعلا يرجو بها ثواب الله يوم قدومه عليه "لأجلي"، قم أخبر أن الصائم له في هذه الحياة فرحتان "فرحة عند فطره"، فعندما تغرب الشمس فالمسلم فرح بماذا فرح بأن الله جل وعلا أعانه فأستكمل صيام ذلك اليوم في صحة وسلامة وعافية ثم فرح بإعطاء النفس مشتهياتها التي جعلها الله سببًا لقيام النفس ثم يفرح بفرح آخر يوم قدومه عليه وفرح "فرحة لفطره وفرحة يوم لقاء ربه يوم يلقى ربه" في ذلك اليوم الذي لا ينفع فيه مالا ولا بنون لا من أتى الله بقلب سليم (رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ)، في ذلك اليوم لا تنفع إلا الحسنات إلا الحسنات الخالصة لوجه الله لا ينفع مال ولا بنون ذهب الجاه وذهب المال وذهب الأهل والبنون وكل مشغول بنفسه (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ* وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ* وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ* لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ)، فالصائم في ذلك اليوم العظيم كربه الشديد هوله يفرح بلقاء ربه فإنه يرى أثر صيامه وثواب صيامه مدخرًا له في وقت هو أحوج ما يكون إليه (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً)، في ذلك اليوم والصائم في فرح وسرور أيام أمضاها في الدنيا يجدها اليوم أمامه يوم القيامة فيزداد فرحا حينما يقال له في الجنة (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ)، إن الصائمين يخرجون من قبورهم وإن رائحة المسك تفوح من أفواههم تلك الأجساد التي طالما أتعبوها في طاعة الله وجدوا ثوابها يوم قدومهم على الله فيحمدون الله ويشكرونه على هذا الثواب العظيم والعطاء الجزيل ويقولون: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ* الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ)، يدخلون الجنة من باب خاص بهم يقال له باب الريان إذا دخل الصائمون أغلق ذلك الباب فلم يدخل منه أحد.

أيها المسلم، فرحه يوم لقاء ربه (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)، "وإن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك"، إذا خلت المعدة من الطعام والشراب تصاعدة أبخرة في مشام الناس كريهة غير مرغوبة فيها لكن لما كانت ناشئة عن طاعة الله وأثر من آثار الطاعة كانت يوم القيامة أطيب عند الله من ريح المسك، ثم بين صلى الله عليه وسلم أثر الصيام في سلوك العبد العملي فقال: "والصوم جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب وإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرئ صائم"، الصوم جنة وحاجز عن المعاصي وواق عن الشرور ومنقذ للعبد من الغواية وسائر به إلى طريق السعادة والهداية هو جنة يمنعه من الشرور ويحول بينه وبين السوء القولي والعملي إذا الصائم لا يرفث ويجتنب الأقوال البذيئة الأقوال الهابطة الأقوال الساقطة الأقوال التي لا خير فيها ولا يصخب ولا يغضب ولا يكون طائشًا بل يكون متخلقًا بحلم وأناءة ورفق في أموره كلها لا يخوض مع السفهاء بسفههم ولا مع الجهلة بجهالتهم لكنه مهذب اللسان طيب القلب صادق السريرة إن أحد اعتدى عليه بسباب وشتام وأقوال بذيئة وقف معه الموقف الحازم "إني امرئ صائم"، لم أترك مجاراتك عجزًا ولا ضعفا ولكن الصوم يمنعني والصوم يحبسني والصوم يردعني عن رذائل الأقوال والأعمال الصوم يسمو بي إلى المكارم والفضائل الصوم يسمو بي إلى الحل والرفق والأناءة الصوم يهذب لساني ويصلح سريرتي الصوم يجعلني على مستوى من القيم والأخلاق والفضائل التي من الله بها علي.

أيها الصائم العزيز، صم لله صوم صادقا واعلم أن الصوم لا بد أن يعم جوارحك كلها يصوم قلبك من التفكير في الباطل وإدارة السوء والجهالة فيكن قلبك زكيا طاهرًا سليمًا من غل وحقد وحسد وبغضاء وأمور لا تليق بك يصوم لسانك فلا غيبة لمسلم ولا نميمة تسعى بها ولا بهتان ترمي به مسلم ولا سخرية ولا استهزاء ولا احتقار لمسلم يصوم لسانك فلا تقول إلا الحق تجنب الكذب والباطل وشهادة الزور "من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"، يصوم سمعك يصوم بصرك فلا تشاهد المشاهد القبيحة ولا تنظر إلى القنوات الهابطة والشاشات الإجرامية التي ربما تنشر مسلسلات هابطة تناف المعتقد السليم تارة وتهدم القيم والفضائل تارة قنوات ومسلسلات إجرامية للأسف الشديد أن بعضها قد يكون ملكها لمن ينتسبون إلى الإسلام وهي خطيرة جدا فيا أهل الإسلام إن من يساهم في هذه المسلسلات الهابطة الإجرامية المنحرفة الضالة عليه وزرها ووزر من تأثر بها إلى يوم القيامة فليتق المسلمون ربهم فيما يأتون ويذرون ولا يكون الهدف المالي وسيلة إلى معاداة القيم والعقيدة والأخلاق الفاضلة يصوم السمع عن الإصغاء إلى الأباطيل والأكاذيب وما لا خير فيه هكذا صوم المسلم صوم صادق وصوم نافع وصوم مؤثر ترى للصائم صائم عن سيء الأخلاق فهو بوالديه بار ولرحمه واصل ولجاره مكرما ومع الآخرين تعامله حسن وأقواله حسنة يدعوا إلى الخير ويرغب في الخير ويتخلق بأخلاق الخير يسعف المحتاج ويفرج كرب المكروب وييسر أمر المعسرين ويعين على نوائب الحق بكل ما يملك من قوة هكذا المسلم صومه أثر عليه وزكى نفسه وسيعيش في ظل ذلك الصوم إلى أن يأتي رمضان الآخر "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر"، إن صوم رمضان زكى نفوس عالية جاهدوا في الله وخاضوا معارك عظيمة في رمضان فلم يكن رمضان شهر كسل ولا إخلادٍ للأرض ، ولكن كان شهر رمضان عندهم شهر عبادة ودعوة وجهاد وإصلاح القلوب وبذل الخير والدعوة إلى الله هكذا كان رمضان يفهمه سلفنا الصالح الفهم الحقيقي الذي دله الكتاب والسنة عليه فنسأل الله أن يجعل صيامنا مشكور وذنبنا مغفورا وأن يوفقنا فيه لما يرضيه من الأقوال والأعمال إنه على كل شيء قدير (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ* وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ* أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ)، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

الحمدُ لله، حمدًا كثيرًا، طيِّبًا مباركًا فيه، كما يُحِبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهدُ ألا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمَّدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى اللهُ عليه، وعلى آله وصحبِه، وسلّمَ تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدينِ، أما بعدُ:

 فيا أيُّها الناسُ، اتَّقوا اللهَ تعالى حقَّ التقوى.

أخي الصائم، صومنا أمانة بيننا وبين ربنا يجب أن نتقي كل ما يسبب نقص هذا الصوم أو إضعاف ثوابه سواء منقص حسية أو منقصات عملية فنتق الله في صومنا.

أيها الصائم، إن المسلم أجمعوا على من تعمد الأكل في رمضان أو تعمد الشرب في نهار رمضان أو تعمد الجماع في نهار رمضان أن هذا مناف لحقيقة الصيام بلا إشكال لأن الله يقول لنا: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ)، كانوا في أول الإسلام إذا غربت الشمس جاز لهم أن يأكلوا ويشربوا ويأتوا النساء حتى يصلوا العشاء أو يناموا فشق ذلك عليهم فخفف الله عنهم فأباح لهم بعد غروب الشمس إلى طلوع الفجر الأكل والشرب ومواقعة النساء لكن إتيان الرجل امرأته في نهار رمضان يعتبر كبيرة من كبائر الذنوب لأن هذا معصية لله ورسوله ويترتب عليه أمور عظيمة فعليه إذا زلت قدمه أن يتوب إلى الله ويستغفره من ذلك الذنب ويقضي ذلك اليوم ثم الكفارة المغلظة عتق رقبة لمن وجدها ومن عدمها فصيام شهرين كاملين متتابعين لا يفطر بينهما وكذلك إطعام إن عجز المرء لكبر إذا فالمسلم يتق كل وسيلة يمكن أن تفضي إلى إفساد صيامه ويصونه في خلواته ويتقي الله ويراقب الله ويكتفي بالوقت الذي أباحه الله له عن الوقت الذي حرمه الله عليه وكذلك أيضا ينافي الصيام ما يسمى بالعادة السرية المستهجنة القبيحة الذي ربما يحصل بها إنزال منوية فإن هذا مفسد للصيام لأنه من الشهوة والله يقول: (يدع شهوته لأجلي)، كذلك تعمد الأكل والشرب مناف للصيام أما من أكل أو شرب ناسيًا فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه وعلى المسلم أن يتأكد من الغروب الشمس ويتأكد من وقت السحور ووسائل الإعلام الآن متوفرة لدينا الإنسان يدري عالوقت بجواله الساعة الهاتف وسائل الإعلام الأمر واضح جلي لا ينبغي أن يتساهل في أمل الإفطار أو أمر السحور فربما أكل قبل غروب الشمس أو ربما أكل بعد طلوع الفجر الثاني ويعلل ذلك بكذا وكذا فالأمور الآن واضحة والشيء أمامك واضح فأتق الله في ذلك كذلك أيها الأخوة إذا أعطي الإنسان أبر مغذية تنوب عن الطعام والشراب فإنها في حكم المأكول والمشروب لأنها تؤدي مفعولة كذلك لو حقن الدم فيه لنقصان دمه فإن ذلك أيضا خلاصة الطعام والغذاء فإن ذلك مناف لصيامه لو إحتجم حجامة في رمضان اضطر إليها في النهار فإن ذلك يفسد الصيام أفطر الحاجم والمحجوم لو سحب منه دم كثير لأجل إسعاف مريض محتاج إليه جاز له ذلك لكن يقضي هذا اليوم لأنه بمنزلة الحجامة لو خرج القيء منه من غير اختياره غلب عليه فإن ذلك لا يؤثر على صيامه لكن لو طلب القيء لأجل أن يرتاح من تلك الوجبة فإنه يعيد ذلك اليوم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من ذرعه القيء فلا قضاء عليه ومن استقاء فعليه القضاء أما البخاخ الذي يستعمل من طريق الفم أو الأنف فإن ذلك لا ينافي الصيام لأنه ليس طعام ولا شراب ولكنه يستعمل لتوسعة المسالك الهوائية فلا يؤثر على الصيام، تنظيف أسنانك أو قلع سنك إن احتجت إليه فإن ذلك لا يؤثر عليك خروج الدم بجراحة جرحتها أو شيء سقط عليك فإن ذلك لا يؤثر على صيامك المرأة المسلمة إذا أتاها الحيض ولو قبل المغرب بدقائق وجب عليها أن تفطر ذلك اليوم وتقضيه المرأة المسلمة إذا أسقطت سقطًا لم يتجاوز الثمانين يوم فإن هذا لا يسمى نفاسًا بل هو دم فساد تصلي وتصوم فيه المرأة المسلمة إذا اضطربت عليها العادة الشهرية فإنها تنظر في الأمور التالية فإذا اشتبه الأمر عليها فإنها تجلس أيام العادة السابقة إلى أن يستقر الوضع الصفرة والكدرة السابقين للحيض تعتبر في حكم الحيض تفطر المرأة فيه كذلك الصفرة والكدرة بعد الدم المتصل به يعتبر في حكم الحيض تفطر وتقضي أيام مكانه.

أيها المسلم، فلنحرص على صيامنا قوليًا وفعليا ولنحفظه من منقصاته ومن مفسداته ولنسأل الله التوفيق والسداد ولنستغل هذه الأيام لا سيما عند الإفطار وعند السحور بالالتجاء إلى الله والتضرع بين يديه وأن ننزل بالله حاجتنا فالله قريب مجيب (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ).

واعلموا رحمكم اللهُ أنّ أحسنَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ صلى اللهُ عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ بدعة ضلالةٌ، وعليكم بجماعةِ المسلمين، فإنّ يدَ اللهِ على الجماعةِ؛ ومن شذَّ شذَّ في النار، وصَلُّوا رَحِمَكُم اللهُ على عبدالله ورسوله محمد، كما أمركم بذلك ربُّكم، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).

اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّم، وبارِك على عبدِك ورسولِك محمدٍ، وارضَ اللَّهُمَّ عن خُلفائِه الراشدين الأئمةِ المَهدِيِّين، أبي بكر، وعمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وعَن سائرِ أصحابِ نبيِّك أجمعين، وعن التابِعين، وتابِعيهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وعنَّا معهم بعفوِك، وكرمِك، وجودِك، وإحسانِكَ، يا أرحمَ الراحمين.

اللهم أعِزَّ الإسلامَ والمسلمين، وأذِلَّ الشركَ والمُشرِكين، ودمِّرْ أعداءَ الدين، وانصُرْ عبادَك المُوَحِّدين، واجعلِ اللَّهُمَّ هذا البلدَ آمنًا مُطمئِنًا، وسائرَ بلاد المسلمين، يا ربَّ العالمين، اللَّهمَّ آمِنَّا في أوطانِنا، وأصلحْ أئمتََََّنا ووُلاةَ أمرِنا، اللهمَّ وفِّقْهُم لما فيه صلاح الإسلامِ والمُسلمين، اللَّهمّ وفِّقْ إمامَنا إمامَ المسلمينَ عبدَ الله بنَ عبدِ العزيزِ لكلِّ خير، اللهم أمده بعونك وتوفيقك وتأييدك، اللهم كن له عونًا في ما أهمه، اللهم اِجمَعْ به كلمةَ الأُمَّةِ ووحد به صفوفها على الخير والتقوى وبارك له في عمره وعمله، اللهم شد عضده بولي عهده سلطان بن عبدالعزيز وألبسه الصحة والسلامة والعافية وسدده في أقواله وأعماله، اللهم وفق النائب الثاني وأعنه على مسؤوليته إنك على كل شيء قدير واجعلهم جميعًا دعاة خير وأئمة هدى وقادة رشاد إنك على كل شيء قدير (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)، (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، ربَّنا آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذابَ النار.

عبادَ الله، (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، فاذكروا اللهَ العظيمَ الجليلَ يذكُرْكم، واشكُروه على عُمومِ نعمِه يزِدْكم، ولذِكْرُ اللهِ أكبرُ، واللهُ يعلمُ ما تصنعون.

الشيخ: 
عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ