فضائل شهر رمضان وما ينبغي أن يستقبل منه

الحمد لله أهل علينا شهر الصيام، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، كانوا يفرحون بحلول شهر الصيام والقيام، أما بعد:

فإن الله سبحانه وتعالى اختص شهر رمضان من بين الشهور بفضائل عديدة، وميزه بميزات كثيرة، قال تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْـزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [1].

ففي هذه الآية الكريمة ذكر الله لشهر رمضان ميزتين عظيمتين:

الميزة الأولى: إنزال القرآن فيه، لأجل هداية الناس من الظلمات إلى النور وتبصيرهم بالحق من الباطل بهذا الكتاب العظيم، المتضمن لما فيه صلاح البشرية وفلاحها، وسعادتها في الدنيا والآخرة.

الميزة الثانية: إيجاب صيامه على الأمة المحمدية حيث أمر الله بذلك في قوله: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) [2].

وصيام رمضان هو أحد أركان الإسلام، وفرض من فروض الله معلوم من الدين بالضرورة وإجماع المسلمين، من أنكره فقد كفر، فمن كان حاضرا صحيحا وجب عليه صوم الشهر أداء، كما قال الله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) [3]، فتبين أنه لا مناص من صيام الشهر، إما أداء وإما قضاء، إلا في حق الهرم الكبير، والمريض المزمن ـ اللذين لا يستطيعان الصيام قضاء ولا أداء فلهما حكم آخر سيأتي بيانه إن شاء الله.

ومن فضائل هذا الشهر ما بينه النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة كما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا جاء رمضان فُتحت أبواب الجنة وغُلّقت أبواب النار وصُفدت الشياطين" [4].

فدل هذا الحديث على مزايا عظيمة لهذا الشهر المبارك:

الأولى: أنه تفتح فيه أبواب الجنة، وذلك لكثرة الأعمال الصالحة التي تشرع فيه، والتي تسبب دخول الجنة، كما قال تعالى: (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [5].

الثانية: إغلاق أبواب النار في هذا الشهر، وذلك لقلة المعاصي التي تسبب دخولها، كما قال تعالى: (فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى ) [6]، وقال تعالى: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) [7].

الثالثة: أنه تصفد فيه الشياطين، أي تغل وتوثق، فلا تستطيع إغواء المسلمين وإغراءهم بالمعاصي، وصرفهم عن العمل الصالح، كما كانت تفعل في غير هذا الشهر، ومنعها في هذا الشهر المبارك من مزاولة هذا العمل الخبيث إنما هو رحمة بالمسلمين لتتاح لهم الفرصة لفعل الخيرات وتكفير السيئات [8].

إنّ مقدار الأجر الذي قد يفوت الإنسان من ترك صيام هذا الشهر كبير، ففي الحديث القدسي قال الله سبحانه وتعالى "كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلاَّ الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا:إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ" [9].

ومع تسهيل الربّ عزّ وجلّ لنا سبل الطاعات، نرى أن الرسول صلى الله عليه وسلم يرغبّنا في الإكثار من الباقيات الصالحات بقوله وفعله، فكما ورد في صحيح البخاري فيما يرويه عنه حبر هذه الأمة وابن عمّه: ابن عباس رضي الله عنه فيقول : "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ" [10].

ويبعث الله في أول ليلة من هذا الشهر المبارك منادياً ينادي ويرشد إلى ما يحبّه الله ويرضاه كما جاء في الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ. وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ" [11].

كما لا ننسى أن أحد أبواب الجنة الثمانية قد خصه الله بالصائمين فقط لا يدخله غيرهم. فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "فِي الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ، فِيهَا بَابٌ يُسَمَّى الرَّيَّانَ، لاَ يَدْخُلُهُ إِلاَّ الصَّائِمُونَ" [12].

ومن فضائل هذا الشهر المبارك أيضاً أنه تضاعف فيه الحسنات، فروي أن النافلة تعدل فيه أجر الفريضة، والفريضة تعدل فيه أجر سبعين فريضة، ومن فطر فيه صائما كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجر ذلك الصائم من غير أن ينقص من أجره شيء، وكل هذه خيرات وبركات ونفحات تحل على المسلمين بحلول هذا الشهر المبارك، فينبغي للمسلم أن يستقبل هذا الشهر بالفرح والغبطة والسرور ويحمد الله على بلوغه ويسأله الإعانة على صيامه وتقديم الأعمال الصالحة فيه، إنه شهر عظيم، وموسم كريم، ووافد مبارك على الأمة الإسلامية، نسأل الله أن يمنحنا من بركاته ونفحاته. إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين [13].

 

أقوال بعض العلماء في فضائل شهر رمضان وما ينبغي أن يستقبل به:

 

أولاً: سماحة الشيخ العلامة ابن باز – رحمه الله-:

نصيحتي للمسلمين جميعا أن يتقوا الله جل وعلا وأن يستقبلوا شهرهم العظيم بتوبة صادقة بتوبة نصوح من جميع الذنوب وأن يزهقهم بدينهم وأن يتعلموا أحكام صومهم وأحكام قيامهم يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله بخيرا يفقه في الدين"، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وسلسلت الشياطين" ويقول صلى الله عليه وسلم: "إذا كان أول بداية من رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب جهنم وصفدت الشياطين وينادي مناد يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر"، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة وكان يقول صلى الله عليه وسلم للصحابة: "أتاكم رمضان شهر بركة جاء يغشاكم الله فيه فينزل الرحمة ويحط خطايا ويستجيب الدعاء فأروا الله من أنفسهم خيرا فإن الشقي من حرم من رحمة الله فيه رحمة الله"، يعني سارعوا بالخيرات سارعوا إلى الطاعات ابتعدوا عن السيئات ويقول صلى الله عليه وسلم: "من صام رمضان إيمان واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه"، "ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه"، "ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه"، يقول الله جل وعلا: "كل عمل ابن آدم الحسنة بعشر أمثالها إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به"، ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي: "للصائم فرحتان فرحة عن فطره وفرحة عن لقاء ربه ولا خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك"، ويقول صلى الله عليه وسلم: "إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يلفظ ولا يسخط فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرئ صائم"، ويقول صلى الله عليه وسلم: "من لم يدع قول الزور والعمل به والجهر به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"، الوصية لجميع المسلمين أن يتقوا الله وأن يحفظوا صومهم ويصونوه من جميع المعاصي ويشرع لهم الاجتهاد في الخيرات والمسابقة إلى الطاعات من الصدقات والإكثار من قراءة القرآن والتسبيح والتهليل والتحميد والتكبير والاستغفار، هذا شهر القرآن، شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، يشرع للمؤمنين الاجتهاد في قراءة القرآن بالتدبر والتعقل ليلا ونهارا، هذا شهر القرآن، فيشرع للرجال والنساء الإكثار بقراءة القرآن ليلا ونهارا كل حرف بحسنة والحسنة بعشر أمثالها مع الحذر من جميع السيئات والمعاصي مع التواصي بالحق مع التناصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا شهر عظيم تضاعف فيه الأعمال وتعظم فيه السيئات، فالواجب على المؤمن أن يجتهد في أداء ما فرضه الله عليه وأن يحذر ما حرم الله عليه وأن تكون عنايته في رمضان أكثر وأعظم، كما يشرع له الاجتهاد في أعمال الخير من الصدقات، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وصلة الرحم، وكثرة القراءة، وكثرة الذكر، والتسبيح والتهليل والاستغفار، وكثرة الدعاء إلى غير هذا من وجوه الخير، يرجو ثواب الله ويخشى عقابه. نسأل الله أن يوفق المسلمين أجمعين، ونسأل الله أن يبلغنا وجميع المسلمين صيامه وقيامه إيمانا واحتسابا، ونسأل الله أن يمنحنا وجميع المسلمين في كل مكان الفقه في الدين والاستقامة عليه والسلامة من أسباب غضب الله وعقابه، كما أساله سبحانه أن يوفق جميع ولاة المسلمين، نسأل الله أن يوفق جميع ولاة المسلمين، نسأل الله أن يوفق جميع أمراء المسلمين، نسأل الله أن يهديهم وأن يصلح أحوالهم، ونسأل الله أن يوفقهم ويزكيهم من شريعتهم، نسأل الله أن يوفقهم لتحكيم شريعة الله في عباد الله وتحكيم القرآن والسنة في جميع أمورهم في عباداتهم وأعمالهم وجميع شؤونهم، نسأل الله أن يوفقهم لذلك عملا بقوله جل وعلا: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ)، وعملا بقوله جل وعلا : (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)، وعملا بقول الله سبحانه: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)، وعملا في قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا)، وعملا بقوله سبحانه: (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ)، وقوله سبحانه: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)، هذا هو الواجب على المسلمين، وعلى أمرائهم، يجب على أمراء المسلمين وعلى علمائهم وعلى عامتهم أن يتقوا الله وأن ينقادوا لشرع الله وأن يحكموا شرع الله فيما بينهم، لأنه، الشرع الذي به الهداية، والعصمة، وبه رضا الله، وبه الوصول إلى الحق الذي شرعه الله، وبه الحذر من الظلم، نسأل الله للجميع التوفيق والهداية وصلاح النية والعمل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه.

"من مكتبة مؤسسة الدعوة الخيرية "

 

ثانياً: سماحة المفتي عبد العزيز آل الشيخ:

أيها المسلمون: لهذا الشهر العظيم خصائص عظيمة، تفضل الله بها علينا، فمنها أن صيامه وقيامه سبب لمغفرة ما مضى من الذنوب، يقول : "من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه، ومن صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه".

وكان يرغبهم في قيام رمضان من غير أن يأمرهم بعزيمة ثم يقول: "من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه".

وأخبر أن الله خصّ هذه الأمة في هذا الشهر بخصائص خمس لم تكن للأمم قبلهم، فقال: "أعطيت أمتي خمس خصال في رمضان لم تعطها أمة قبلهم: خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، تستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا، يزيّن الله جنته كل ليلة"، ويقول: "يوشك عبادي الصالحون أن يصيروا إليك، تُصفّد فيه مردة الجن، فلا يخلصون فيه إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره، يغفر لهم في آخر ليلة" قيل: أليلة القدر؟ قال: "لا، ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله".

من خصائص هذا الشهر ما بيّنه بقوله: "إذا كان أول ليلة من رمضان فُتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وسُلسلت الشياطين".

أيها المسلم، من خصائص هذا الشهر ما بيَّنه بقوله، لما أهل رمضان: "أتاكم شهر رمضان، ما مرّ بالمسلمين شهر خير لهم منه، ولا بالمنافقين شهر شر لهم منه، إن الله ليكتب أجره ونوافله قبل أن يُدخله، ويكتب إصره وشقاءه قبل أن يُدخله، وذلك أن المؤمن يُعد فيه القوت للعبادة، ويُعد فيه الفاجر اغتنام غفلات المسلمين، وتتبع غفلاتهم".

وبين من خصائص هذا الشهر بقوله: "من صام رمضان وتحفّظ مما ينبغي التحفظ منه كفّر ما كان قبله"، هو شهر يباهي الله بعباده ملائكته يقول الرسول: "أتاكم رمضان شهر خير وبركة، يغشاكم الله فيه، فينزل السكينة، وينزل الرحمة، ويحط الخطيئة، ويستجيب الدعاء، ينظر الله إلى تنافسكم فيه، فيباهي بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيراً، فإن الشقي من حُرم فيه رحمة الله".

أيها المسلم، أقبل رمضان فعلى أي شيء العزم؟ هل على نية طيبة وتوبة نصوح، وعزيمة صادقة، وتنافس في صالح العمل؟ إنه شهر في السنة كلها، فاغتنم أيامه ولياليه، واستعن بالله على ذلك، وكن مجتهداً، وكن صادق العزيمة، صادق التوبة، قويَّ الرغبة في هذا الشهر، فرِحاً به، مستبشراً به، مستأنساً به، ترجو أن يكون لك فيه نصيب عند ربك، بتوبة نصوح، ودعوات مرفوعة إلى الله، وإقلاع من الخطأ، وعزيمة على الاستمرار في الطاعة، ورجاء من الله أن يحقق لك ما وعد به الصائمين، وما ذاك على الله بعزيز.

فاستقيموا على طاعة ربكم: واسألوا الله إذ قربكم من هذا الشهر أن يبلغنا جميعاً صيامه وقيامه، وأن يجعل لنا فيه حظاً ونصيباً، وأن يعيننا فيه على كل خير، وأن يعيذنا فيه من نزغات الشيطان.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم...".

"من خطبة لسماحة المفتي عبد العزيز آل الشيخ، لمزيد من الاطلاع على هذه الخطبة انظر: موقع مؤسسة الدعوة الخيرية "

 

ثالثاً: معالي الشيخ الدكتور صالح الفوزان :

الحمد لله على فضله وإحسانه، تفضل علينا ببلوغ شهر رمضان، ومكننا فيه من الأعمال الصالحة التي تقربنا إليه، والصلاة والسلام على نبينا محمد كان أول سابق إلى الخيرات، وعلى آله وأصحابه الذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه، أولئك هم المفلحون؛ أما بعد:

فأوصيكم ونفسي في هذا الشهر المبارك بتقوى الله، وفي غيره من الشهور، ولكن هذا الشهر له مزية خصه الله بها، فهو موسم الخيرات، وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يدعو الله ببلوغ رمضان، فكان يقول إذا دخل شهر رجب: "اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان" [أخرجه البيهقي في شعب الايمان 7/398 رقم 3534، والبزار في مسنده 1/294ـ295 رقم 616 ـ كشف الأستار، وأبو نعيم في الحلية 6/269، وابن عساكر كما في كنز العمال رقم 18049 وضعفه الألباني في ضعيف الجامع رقم 4395 وكذا ضعفه محقق الشعب].

وروي أنه صلى الله عليه وسلم كان يبشر أصحابه بقدومه، ويبين لهم مزاياه، فيقول: "أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم مبارك" فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتاكم رمضان شهر مبارك، فرض الله عز وجل عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم" أخرجه أحمد 2/230، 425 وعبد بن حميد في المنتخب رقم 1429 والنسائي 4 / 129].

ويحث أصحابه على الاجتهاد فيه بالأعمال الصالحة من فرائض ونوافل، من صلوات وصدقات، وبذل معروف وإحسان، وصبر على طاعة الله، وعمارة نهاره بالصيام، وليله بالقيام، وساعاته بتلاوة القرآن وذكر الله عز وجل، فلا تضيعوه بالغفلة والإعراض كحال الأشقياء الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم، فلا يستفيدون من مرور مواسم الخير ولا يعرفون لها حرمة، ولا يقدرون لها قيمة، كثير من الناس لا يعرفون هذا الشهر إلا أنه شهر لتنويع المآكل والمشارب، فيبالغون في إعطاء نفوسهم ما تشتهي، ويكثرون من شراء الكماليات من الأطعمة والأشربة، ومعلوم أن الإكثار من المآكل والمشارب يكسل عن الطاعة، والمطلوب من المسلم أن يقلل من الطعام والشراب حتى ينشط للطاعة، وبعض من الناس لا يعرف شهر رمضان إلا أنه شهر النوم في النهار والسهر في الليل على ما لا فائدة فيه أو ما فيه مضرة، فيسهر معظم ليله أو كله ثم ينام النهار حتى عن الصلوات المفروضة فلا يصلي مع الجماعة ولا في أوقات الصلاة، وفئة من الناس تجلس على مائدة الإفطار تترك صلاة المغرب مع الجماعة، هذه الفئات من الناس لا تعرف لشهر رمضان قيمة، ولا تتورع عن انتهاك حرمته بالسهر الحرام، وترك الواجبات، وفعل المحرمات، وإلى جانب هؤلاء جماعة لا يعرفون شهر رمضان إلا أنه موسم للتجارة، وعرض السلع وطلب الدنيا العاجلة، فينشطون على البيع والشراء فيلازمون الأسواق ويهجرون المساجد، وإن ذهبوا إلى المساجد فهم على عجل ومضض لا يستقرون فيها، لأن قرة أعينهم في الأسواق، وصنف آخر من الناس لا يعرف شهر رمضان إلا أنه وقت للتسول في المساجد والشوارع فيمضي معظم أوقاته بين ذهاب وإياب وتجوال هنا وهناك وانتقال من بلد إلى بلد لجمع المال عن طريق السؤال، وإظهار نفسه بمظهر المحتاج وهو غني، وبمظهر المصاب في جسمه وهو سليم، يجحد نعمة الله عليه بالغنى والصحة، ويأخذ المال بغير حقه، ويضيع وقته الغالي فيما هو مضرة عليه فما بقي لرمضان من مزية عند هذه الفئات.

عباد الله لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في هذا الشهر أكثر مما يجتهد في غيره، وإن كان عليه الصلاة والسلام مجدا في العبادة في جميع أوقاته فكان يتفرغ في هذا الشهر من كثير من المشاغل التي هي في الحقيقة عبادة، لكنه يتفرغ من العمل الفاضل لما هو أفضل منه، وكان السلف الصالح يقتدون به في ذلك فيخصون هذا الشهر بمزيد اهتمام ويتفرغون فيه للأعمال الصالحة، ويعمرون ليله بالتهجد ونهاره بالصيام والذكر وتلاوة القرآن، ويعمرون المساجد بذلك، فلنقارن بين حالنا وحالهم وما هو مبلغ شعورنا بهذا الشهر، ولنعلم أنه كما تضاعف فيه الحسنات فإنها تغلظ السيئات فيه وتعظم عقوبتها، فلنتق الله سبحانه ونعظم حرماته (ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه) [الحج 30].

وفق الله الجميع لصالح القول والعمل، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

"من كتاب إتحاف أهل الإيمان، للشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان"

سورة البقرة: 185. [1]

البقرة: 185. [2]

البقرة: 185. [3]

أخرجه البخاري 1898، 1899، ومسلم 1079 [4]

سورة النحل: 32. [5]

سورة النازعات: 37 ـ 39 [6]

سورة الجن: 23. [7]

إتحاف أهل الإيمان بدروس شهر رمضان، للشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان. [8]

متفق عليه. [9]

أخرجه البخاري. [10]

أخرجه الترمذي. [11]

أخرجه البخاري. [12]

إتحاف أهل الإيمان، للشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان. [13]

الشيخ: 
صالح بن فوزان الفوزان